يتردد اسم القيروان كثيرا بين الناس إلى يومنا هذا، وذلك لأنه يدل على مدينة عربية من أهم المدن التي بناها المسلمون في فترات الفتح الإسلامي، ونشر الدعوة الإسلامية. وهي مدينة ساحرة بكل ما فيها من مبان وطرق ومياه وزروع وأجواء، ليشعر المرء حين يسير في طرقاتها بروحانية غامرة، وأن روح الحضارة الإسلامية تحيط به، وذلك لأن إنشاء هذه المدينة - يوم تم إنشاؤها - كان معتمدا على الإيمان الذي دفع بأولئك الرجال من أبناء أمتنا إلى هناك نشرا للدين الحنيف ورغبة في إعلاء كلمة الله في الأرض.
لقد قام ببناء هذه المدينة المباركة عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة أميرهم - يومذاك - عقبه بن نافع الفهري، وعنها يقول الشاعر أبوالقاسم الفزاري:
فهل للقيروان وساكنيها
عديل حين يفتخر الفخور
بلاد حشوها علم وفقه
وإسلام ومعروف وخير
بناها كل بدري كريم
كأن صفاح أوجههم بدور
٭ ٭ ٭
ولا تزال القيروان محتفظة بجمالها وسحرها، وسمعتها العلمية والثقافية الطاغية. تقع في وسط الجمهورية التونسية على مسافة خمسين ومائة كيلومترا عن العاصمة: تونس، وعلى ارتفاع ستين مترا فوق مستوى سطح البحر. وهي - اليوم - مركز ولاية (محافظة) يضم في 2014م 560559 ساكنا، وقد ورد لها وصف دقيق من جميع الوجوه في كتاب: «الموسوعة التونسية» التي صدرت عن المجتمع التونسي للعلوم والآداب والفنون في سنة 2013م.
أما الحديث عن القيروان قديما، فيدلنا عليه ما ورد في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي الذي ذكر أن مدينة القيروان قد جرى تمصيرها (إنشاؤها) - بعد أن لم تكن قائمة بصفتها بلدة - في أيام معاوية بن أبي سفيان في بداية العصر الأموي. وكان مهتما بأمر أفريقيا، ومن أجل ذلك خصها بوالٍ يتولى أمرها بعد أن كانت ملحقة بوالي مصر. وهذا الذي اختاره معاوية لهذه المهمة هو عقبة بن نافع الفهري، وقد أمده الخليفة الأموي بعشرة آلاف محارب، أضيف إليهم عدد كبير ممن أسلم من سكان أفريقية، وابتدأ بهذا الجيش انتشار الإسلام في هذا الموقع.
وكان عقبة متخوفا من الفئة التي لم تسلم من أبناء هذه البلاد، فجمع وجوه القوم الذين كانوا معه في ذلك الزمان وقال لهم إنه يقف بين أمرين هما عودة المسلمين إلى ديارهم بعد الفتح، وفي هذه عودة السكان الأصليين الذين تمسكوا بدينهم الذي كانوا عليه، أو نزول المسلمين بين أولئك السكان، وهذا أمر فيه خطر يحيط بهم.
وهنا أوضح الهدف الذي وقف لكي يحدث جيشه به فقال وفق ما ورد في كتاب معجم البلدان:
«وقد رأيت أن أبني هنا مدينة يسكنها المسلمون. فاستصوبوا رأيه وجاؤوا (معه) إلى موضع القيروان وهو في طرف البر، فيه أجمة عظيمة، وغيظة لا تشقها الحيات من تشابك أشجارها.
(الأجمة: مجموعة شجر متشابكة، والغيضة: سبيل ماء حول هذا الشجر).
ثم قال: «إنما اخترت هذا الموضع لبعده من البحر لئلا تطرقها مراكب الروم فتهلكها وهي في وسط البلاد، ثم أمر أصحابه بالبناء فقالوا: هذه غياض كثيرة السباع والهوام فنخاف على أنفسنا هنا، وكان عقبة مستجاب الدعوة فجمع من كان في عسكره من الصحابة وكانوا ثمانية عشر، ونادى: أيتها الحشرات والسباع نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارحلوا عنا فإنا نازلون فمن وجدناه بعد قتلناه، فنظر الناس يومئذ إلى أمر هائل، كان السبع يحمل أشباله والذئب يحمل أجراءه والحية تحمل أولادها وهم خارجون أسرابا أسرابا فحمل ذلك كثيرا من البربر على الإسلام، ثم اختط دارا للإمارة واختط الناس حوله وأقاموا بعد ذلك أربعين عاما لا يرون فيها حية ولا عقربا.
وهكذا تم إنشاء هذه المدينة المباركة، ووقف القائد عقبة بن نافع الفهري أمام باب سورها ماداً يديه داعيا الله عز وجل، راجيا منه سبحانه مزيدا من التوفيق إلى الأعمال المناصرة للدين الحنيف، فقال: «اللهم املأها علما وفقها واعمرها بالمطيعين والعابدين واجعلها عزا لدينك وذلا على من كفر وأعز بها الإسلام وأمنها من جبابرة الأرض».
٭ ٭ ٭
لا تزال القيروان مدينة قائمة وعامرة. وهي إحدى مدن تونس الرئيسية، تبعد مقدار مائة وخمسين كيلومترا عن العاصمة. وهي أول مدينة إسلامية تم إنشاؤها في بلاد المغرب وكان موقعها من أهم مواقع الفتح الإسلامي هناك.
وعقبة بن نافع الفهري مؤسس هذه المدينة صحابي بالمولد، وذلك لأنه - رضي الله عنه - قد ولد في السنة التي سبقت سنة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وكان أهله من رجال الحرب منهم الصحابي الجليل عمرو بن العاص الذي كان من أبرز قادة الفتوح الإسلامية.
وكان عقبة بن نافع من الأبطال الذين جاهدوا تحت لواء عمرو بن العاص، وأبدوا جهودا كبيرة أدوها في سبيل نشر الإسلام، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وكانت أولى علامات اقتداره ما لا حظه عليه قائده عمرو بن العاص، فوجهه إلى مدينة برقة الليبية وما حولها.
وفي سنة 41 هـ كانت مصر وأفريقية ولاية واحدة يتولاها عمرو بن العاص، فجعل البطل عقبة بن نافع مسؤولا عن القسم الأفريقي بكامله، فمضى في طريقه إلى هذه المهمة، وكانت له هناك أعمال مبهرة كان منها ما يتعلق بمدينة القيروان، التي مر بنا الحديث عنها. ونستطيع هنا أن نضيف أن معنى القيروان هو محطة الجيش التي يجتمع فيها، أو مقر استراحة القوافل. واللفظ فارسي الأصل، ولكنه بنطق مختلف بحسب اختلاف اللسانين العربي والفارسي، وممن ذكر هذا اللفظ قديما الشاعر امرؤ القيس بقوله:
قـــــارة ذات قـيــــروان
كــأن أســـرابها الرمــــال
هذا، ولم أجد هذا البيت في ديوان الشاعر، ولكنه قد يكون ساقطا من القصيدة الواردة فيه، ومطلعها:
عينــاك دمعهمـــا سجـــال
كــأن شــــأنيهما أَوْشـــــالُ
إذن! فالقيروان اليوم مدينة تونسية تبعد مقدار مائة وخمسين كيلومترا عن العاصمة، وهي - كما رأينا - أول مدينة إسلامية تم إنشاؤها في بلاد المغرب العربي، وكان موقعها من المواقع المهمة في سلسلة الفتوح آنذاك، ولاتزال هذه المدينة قائمة.
تبدو في هذه المدينة في وقتنا الحاضر آثار ماضيها متمثلة في بعض المباني، وفي مشروعات تمديد المياه والأسواق والمتنزهات والحمامات. وأهم مشهد من مشاهدها مسجدها الجامع الذي وضع أساسه الفاتح عقبة بن نافع، الذي وصف في عدد من المراجع التاريخية كما يلي: «هو أقدم مساجد المغرب الإسلامي المصدر المعماري الأول الذي اقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها ومنه انبعثت الأفكار المعمارية والزخرفية وتطورت في العصور المختلفة.
اختطه عقبة بن نافع سنة 50 هـ على نسق المسجد النبوي في المدينة المنورة مثله في ذلك مثل مساجد الأمصار ذات الصحن الأوسط المكشوف والمصلى المستطيل الممتد أفقيا على طول جدار القبلة ويعتبر محرابه من أقدم المحاريب الإسلامية، إذ يوجد بناء قديم خلف كسوة الرخام التي تغشى محراب القيروان الحالي يقال إنها محراب عقبة الذي حوفظ عليه دون أن يهدم عندما قرر الأمير زيادة الله الأول إعادة بناء مسجد عقبة وذلك سنة 221 هـ، ولقد جدد المسجد في العصر الأموي عدة مرات وكان ذلك على يد أمراء دمشق حسان بن النعمان 76 هـ، وبشر بن صفوان الذي ينسب إليه بناء المئذنة الحالية سنة 105 هـ، كما جدد المسجد في العصر العباسي علي يد يزيد بن حاتم 155 هـ، ويقال إنهم كانوا يتركون منه المحراب تبركا ببناء عقبة».
وأما المدينة الحديثة فقد ورد وصفها في الصفحة رقم 497 من الموسوعة التونسية بما نصه:
«وتتكون القيروان حاليا من «المدينة» القديمة ذات الأزقة الضيقة الملتوية حيث تحافظ الأسواق أو تكاد على الطابع العام الذي اكتسبته منذ القرن الثامن عشر. وهذه «المدينة» لا تزال اليوم محاطة بأسوار ذات شرفات، مبنية باللبن، تحصن جنباتها بين المسافة والأخرى دعائم وأكتاف قائمة مستديرة. ويزيد طول هذه الأسوار على ثلاثة كيلومترات، وبغرب المدينة وشمالها الغربي تمتد أرباض «القبلية» و«الجبلية» و«جلاص»، وفي الناحية الجنوبية، بين باب الجلادين (أي ممارسي صناعة الجلود) الذي أطلق عليه منذ الاستقلال اسم باب الشهداء، وهو باب الدخول إلى المدينة القديمة ومحطة السكة الحديدية، تقع المدينة العصرية حيث توجد الدواوين الإدارية والبنوك والنزل وغير ذلك. وقد بنى حي سيدي سحنون، بالناحية الغربية. ويوجد بها حي آخر، وهو حي المنصورة. أما أهم المعالم التاريخية بالمدينة، بالإضافة إلى الجامع الكبير، فهي مسجد بن خيرون الأندلسي أو الثلاثة بيبان التي تشكل واجهته أنموذجا جميلا من المعمار الأغلبي. (أرباض المدينة: ضواحيها).
وقد أقيم هذا المسجد سنة 252هـ/866م، على يد محمد بن خيرون المعافري الأندلسي، وجرى إصلاحه وترميمه في القرن الخامس عشر، ثم فسقية الأغالبة من جهة باب تونس، ومقام سيدي الصاحب، وقد كان في أول الأمر مقاما بسيطا وقديما يؤوي قبر أحد صحابه الرسول عليه السلام، وهو أبو زمعة البلوي. وفي ذلك الموقع قام الباي حمودة باشا المرادي بتشييد المبنى الحالي، وكذلك مقام سيدي عمر عبادة الذي تم بناؤه في القرن التاسع عشر بأمر من الصادق باي (1859-1882).
٭ ٭ ٭
ضمت القيروان عددا كبيرا من مجالس العلم حضرها علماء وشعراء على مستوى عال يشهد لهم به إنتاجهم العلمي والأدبي كما يشهد لهم به - أيضا - تلامذتهم الذين ساروا على نهجهم.
ومن أبرز من يذكر من هؤلاء أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، وهو أديب كبير، وشاعر له شهرة واسعة، وله كتاب مهم نال به شهرة كبيرة، وطبع في عدة طبعات أربع منها في القاهرة، وواحدة في بيروت. وقد حقق الطبعة التي نراها بين أيدي الناس في هذا الوقت الأستاذ على محمد البجاوي، وقد أتت في جزأين، ومقدمة مفيدة، وذيلت بفهارس مهمة. وكان المؤلف قد فرغ من تأليف كتابه هذا في سنة خمسين وأربعمائة للهجرة، ومنذ ذلك الوقت وهو محط الأنظار.
جرى الحديث عنه في كتاب من تأليف الحسن بن رشيق القيرواني، الذي عاش في القيروان ونسب إليها، وقد كتب بعض أخبار الحصري وبيّن جانبا من أحواله، وتمثل ببعض أشعاره، وقال عنه:
«كان شبان القيروان يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، ورأس عندهم، وشرف لديهم، وسارت تآليفه، وانثالت عليه الصلات من مختلف الجهات». ثم ذكر بيتين من شعر الحصري القيرواني هما:
إني أحبك حبا ليس يبلغه فهم
ولا ينتهي وصفي إلى صفته
أقصى نهاية علمي فيه معترفي
بالعجز مني عن إدراك معرفته
هذا، وقد توفي أبو إسحاق القيرواني في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة للهجرة وترك ذخيرة تمثلت في مؤلفاته.
وللحصري القيرواني ابن خالة كان شاعرا قيروانيا هو الآخر وهو أبو الحسن علي الحصري، وهو مذكور في الكتب التي أوردت أخبار الشعراء.
والحديث عن العلم والعلماء، والشعر والشعراء في القيروان في زمنها الماضي حديث يطول، وقد تكفلت بتوثيق كل ذلك الكتب التي ألفها علماء الأندلس، فحفظوا لنا ذكرهم عندما نوهوا بهم وبإنتاجهم الذي كان من رموزه كتاب زهر الآداب الذي مر بنا ذكره.
وقد أورد أحمد بن عبد ربه الأندلسي شيئا من ذلك في كتابه: «العقد الفريد» ج6 ص34، وكان ما ذكره متعلقا بمغن معروف في عصره كان مملوكا للمطرب القديم المشهور: إبراهيم الموصلي، وكان أسود اللون واسمه: زرياب. وقد انتقل - لسبب ما - إلى القيروان في زمن حكم بني الأغلب، ودخل على رئيسهم - آنذاك - زيادة الله بن الأغلب. وشرع بالغناء له، ولسوء حظه فقد اختار أبياتا قالها عنترة بن شداد يفخر فيها بنفسه، ويجمل بها سوادة، وفي هذا الشأن يقول ابن عبد ربه:
«فغضب زيادة الله، وأمر بصفع قفاه، وإخراجه، وقال له: إن وجدتك في شيء من بلدي بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك، فاجتاز البحر إلى الأندلس، فكان عند الأمير عبدالرحمن بن الحكم».
وذكر من شعراء القيروان بكر بن حماد القيرواني الذي تحدث عنه أحد العلماء فقال: «لقد أحسن وأجاد بكر بن حماد في معارضته رضي الله عنه وأرضاه، وأخزى عمران بن حطان ما أجرأه على الله».
وكان عمران بن حطان - لعنه الله - من رؤساء الخوارج وقد امتدح ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب، كرم الله وجهه. وكانت بداية قصيدة القيرواني كما يلي:
قل لابن ملجم والأقدار غالية
هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم
وأول الناس إسلاما وإيمانا
وقد بلغت منزلة القيروان عند الأقدمين موضعا عاليا جعلت الكتّاب منهم يتحدثون عنها ويصفونها ويذكرون كل شيء عن سير رجالها. ومن ذلك:
1- كتاب تاريخ القيروان.
2- ما كتبه علي بن محمد الفاسي.
وغير ذلك مما يضيق المجال عن ذكره.
٭ ٭ ٭
ومما يجدر بنا ذكره هنا هو الإشارة إلى الفنان الشاعر التونسي ابن القيروان واسمه: خالد ميلاد.
يمتلك هذا الرجل بيتا قديما في هذه المدينة التاريخية، يعد من أوائل ما بني فيها من بيوت، وقد كتب هذا الشاعر قصيدة يذكر فيها القيروان، وفيها قوله:
من سفــــر التـــــاريخ
يسقط فوق رؤوس الخلق
أسرارا وحروفا أزليه
يغازل أروقة لا تزهو فيها
غير بيوتات هرمه
ومزارات بيض مثل الثلج
تزهو في خضر الرايات
وزوايا وتكايا وسراياثم قال:
ذي مدن للشعر والشعراء
طِــــــــرْ.. لاتـحــــــــزن
إنك تمشي فوق الماء
إنك من قفصه تأتي
من قرطاجة إلى القيروان
ومما ينبغي أن يذكر للقيروان أنها احتفظت باسمها ومكانها في نفوس الناس، منذ اختطها البطل المسلم عقبة بن نافع الفهري إلى يومنا هذا. وصارت عنوانا للتكاتف الذي ساد كل المؤسسين الأوائل، وموئلا للعلم والفن والثقافة إلى جانب ما تم إنشاؤها من أجله وهو كونها حصنا يلوذ به المحاربون.
ولقد بقيت مزدهرة إلى يومنا الحاضر، تحلو في أعين زائريها بسبب عبق تاريخها، وجمال طبيعتها، وما فيها من مبان ذات صفة تاريخية مهمة.
فصارت بذلك على كل لسان، وحرصت بعد الدول العربية على الاحتفاظ باسمها تقديرا للرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أتى بعدهم من التابعين. وحرصا على إحياء ذكرى جيش العبادلة الذين مكنوا الإسلام في المغرب العربي، ولقد تم من أجل ذلك إطلاق اسم هذه المدينة الكريمة على عدد من المدن.
أما اسم: العبادلة، فقد سرى على أفراد هذا الجيش، لأن أكثرهم كان ممن اسمه: عبدالله.
٭ ٭ ٭
ولنا في الكويت دور قمنا به إحياءً لذكر هذه المدينة، ونحن نرى ذلك فيما يلي:
أولا: أطلق اسم القيروان في البداية على مدرسة متوسطة للبنات، وقد تم إنشاؤها في سنة 1971م في منطقة الرميثية.
ثانيا: أطلق على منطقة سكنية هي: منطقة القيروان التي تقع في هيئة مستطيلة على يسار المتجه إلى الجهراء بعد اجتيازه مقبرة الصليبيخات وما حولها، وهذا وصف لها:
القيروان في الكويت إحدى المناطق المتصلة بمحافظة الجهراء، تقع في غرب مدينة الكويت تحدها من الشمال منطقة الدوحة ومن الجنوب الطريق الدائري الخامس، وبحسب آخر إحصاء للسكان فيها نرى أن عددهم يقترب من الثلاثين ألف نسمة، وفي القيروان كافة الخدمات التي تحتاج إليها أي منطقة سكنية.
ومن المهم أن نذكر هنا أن هذا الموقع الذي نتحدث عنه كان قبل أن يسمى بالقيروان يحمل اسما قديما. بل إن منطقة القيروان الحالية إنما هي جزء من موقع واسع قديم الاسم هو: الصعاب.
وقد أتى الحديث عنه في كتابنا: «السيدان، قبس من ماضي الكويت» وجاء ذكر الصعاب عند الحديث عن موقع السيدان الذي جاء في الكتاب عنه أنه كان واحدا منه ثلاثة مواقع واسم الثاني: فردة والآخر: الرحا، وقد ذكر الإثنين الأخيرين الشاعر الراعي النميري بقوله:
عجبت من السارين والريح قرة
إلى ضوء نار بين فردة والرحا
أما السيدان فذكره شاعر آخر له شهرة عالية هو السمهري اللص، وقال:
بكيت وما يبكيك من رسم منزل
على حفر السيدان أصبح خاليا
خلا للرياح الراسيات تغيرت
معارفه إلا ثلاثا رواسياوكما ورد ذكرهما في الشعر فقد ورد في أخبار الأحداث التي جرت في بلادنا أو فيما حولها:
تقع هذه الأماكن الثلاثة - اليوم - في الشمال الغربي لقرية الجهراء التي نمت، وازدادت مبانيها وكثر سكانها فصارت مدينة عامرة، وصار اسمها علما على المحافظة التي هي جزء منها.
وهذه المناطق الثلاثة تدعى اليوم: السادة، والفريدة، والرحية، وكلها مذكورة في خريطة الكويت التي أصدرتها دائرة معارف الكويت في سنة 1958م بهذه الأسماء التي يرى القارئ أنها قريبة من الألفاظ القديمة لها، ولا غرابة في ذلك فإن مرور الزمن له تأثير على كل شيء بما في ذلك أسماء البلدان والأماكن.
وعندما وصفت الكتب المختصة بالمواقع القديمة هذا الجزء من بلادنا وذكرت السيدان أشارت إلى أن ما بعد هذا الموقع يسمى الصعاب، وهذا الموقع واسع وصفه أحد العلماء بقوله:
«والصعاب أسفل الدو والسيدان»
(والدو هو ما نسميه اليوم: الدبدية).
وقد علقت على ذلك في كتابي المذكور بالآتي:
«... لذا، فإن الصعاب - بحسب ظني - هو المنطقة التي يطلق عليها في الخريطة التي سبق ذكرها أسماء كبد والصليبية وأمغرة، وربما ذهبت جنوبا، ففيها تلال رملية - وفيها - وعلى الأخص في الصليبية - مياه غزيرة». ومنطقة القيروان الحديثة جزء صغير منها.
وكانت هذه الأجزاء التي ذكرناها مساكن لقبائل عربية منها فروع من قبيلة بني تميم.
٭ ٭ ٭
امتدادا لحديثنا عن منطقة القيروان الكويتية، فإنه من المهم أن نذكر شيئا مما جرى في شأنها حتى برزت إلى الوجود، وقد اهتدينا إلى ذلك بواسطة معلومات تلقيناها من بلدية الكويت وكان للأخت المهندسة سحر العجيل الفضل في الحصول عليها:
بدأ العمل البحثي في إنشاء هذه المنطقة في سنة 1971م، حين تقدمت المؤسسة العامة للرعاية السكنية إلى بلدية الكويت بطلب تخصص قسائم سكنية، وقسائم أخرى للخدمات العامة، في منطقة جنوبي الدوحة ومنطقة غربي جليب الشيوخ.
وقد ردت الجهة المختصة على هذا الطلب بالموافقة مع ضرورة الالتزام بالشروط المتعلقة بالخدمات بجميع أنواعها.. ومما جاء في واحد من قرارات الجهة المختصة في بلدية الكويت بهذا الشأن.
«الموافقة في اليوم التاسع من شهر يونيو لسنة 1997م، على مشروع تنظيم منطقتي جليب الشيوخ، وجنوب الدوحة».
وأضاف القرار إلى ما ورد فيه أنه لا بد من التزام المؤسسة التي سوف تقوم بالمشروع بكافة ما له علاقة بأعمال الجهات الأخرى في الدولة.
- أطلق اسم منطقة جنوبي الدوحة على هذه المنطقة عندما بدأ العمل في إنشائها، وبعد أن تم الإنجاز، وجرى استقرار السكان في مساكنها، تم التفكير في تغيير هذه الاسم وفق ما نصت عليه إحدى وثائق بلدية الكويت، وقد جاء فيها:
«... نود إفادتكم بأنه قد وردت إلينا عدة شكاوى من سكان المنطقة بشأن البطاقات المدنية، وما يترتب عليها من خدمات، وحيث إن المنطقة تقع ضمن محافظة الجهراء، وتتألف من ثلاث قطع و1678 وحدة سكنية.. لذا يرجى النظر في إمكانية تسمية هذه المنطقة باسم آخر».
وقد صدر في سنة 2003 قرار اللجنة المتكلفة بأعمال المجلس البلدي واعتمد من الإدارة العامة للبلدية فصار اسمها: القيروان.
وهكذا نرى أن هذه المنطقة قد استقبلت سكانها باسمين مختلفين واستقرت على الاسم الثاني.
- وأخيرا، فإن القيروان تضم ثلاث قطع سكنية، وتقع الجمعية التعاونية في طرق إحدى هذه القطع، مع وجود فرع لها في كل من القطعتين الأخريين.
وفيها ست مدارس، ثلاث منها للذكور، ومثلها للإناث، وفي كل قطعة روضة من رياض الأطفال. كما تحتوى المنطقة على مخفر للشرطة أسوة بما هو جار في مختلف مناطق البلاد.
٭ ٭ ٭
هذا عرض لمنطقتين سكنيتين اسمهما واحد، وتاريخ نشأتهما مختلف، ومكان إنجازهما مختلف أيضا، صارت الأولى معلما من معالم التاريخ الإسلامي، وصارت الثانية نموذجا دالاً على ذلك المعلم، ودليلا على اعتزاز الكويت بدينها وعروبتها. وهذا ما هو ملحوظ في كثير من المسميات الكويتية ذات الصفة الجغرافية، ومن أجل ذلك فقد رأينا أن يكون حديثنا هذا حول هذا الموضوع.