كان أبو طالب يطوف بالبيت، ومعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في عمر الرابعة عشرة، فرأه أكثم بن صيفي، وهو حكيم من حكماء العرب، فقال لأبي طالب: ما أسرع ما شب أخـوك يا أبا طالب، فقال إنه ليس أخي، بل ابن أخي عبدالله، فقال أكثم: ابن الذبيح! فقال أبو طالب: نعم. فأخذ أكثم يتأمله، ثم قال، ما تقولون في فتاكم هذا يا أبا طالب؟ فقال: إنا لنحسن الظن به، وإنه لحيي جزي، سخي وفي.
قال: أفغير ذلك يا ابن عبدالمطلب؟ قال: إنه ذو شدة ولين، ومجلس ركين، ومفضل مبين.
قال: أفغير ذلك يا ابن عبدالمطلب؟ قال: إنا لنتيمن بمشهده، ونلتمس البركة فيما لمس بيده.
قال: أفغير ذلك يا ابن عبدالمطلب؟ قال: إن فتى مثله حري به أن يسود، ويتحرف بالجود.
فقال أكثم، أما أنا فأقول غير ذلك، فقال أبو طالب، قل يا حكيم العرب، فإنك نفاث غيب، وجلاء ريب.
قال أكثم: ما خلق لهذا ابن أخيك، إلا أن يضرب العرب قامطة، بيد خابطة، ورجل لابطة، ثم ينعق بهم إلى مرتع مريع، وورد تشريع، فمن اخرورط إليه هداه، ومن اخرورق عنه أرداه.
وما إن عاد أكثم بن صيفي إلى أبنائه، حتى قص عليهم ما رأى في مكة، ولقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الرابعة عشرة من عمره، وقال: والله إنه لنبي، فإن خرج وأنا فيكم، فإني ناصره، وإن خرج بعد وفاتي، فعليكم اتباعه والمثول لأمره.
وما إن بعث النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرج إليه أكثم مع أولاده، وقد كان في ذلك الحين طاعنا في السن، فوافته المنية وهم في الطريق، فقال لهم: دعوني وانصرفوا، فالحقوا برسول الله. فقال أحدهم: نظل معك حتى ندفنك ونسير إليه. قال: لا، ابلغوا رسول الله مني السلام، ودعوا جسدي للطير أو للدود، فإنهما يستويان.
فلما وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادرهم صلى الله عليه وسلم، وقال: الآن دفن أبوكم، ثم نزلت فيه آية (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما).