- «المايكروبليدنج» مسموح لأنه رسم على سطح الجلد ويزول بعد وقت قليل
- ضرورة توجيه العلماء ليبيّنوا للناس حكم هذه الظاهرة ومخاطرها الطبية
أكد د.محمد ضاوي العصيمي أن الوشم الذي يكون تحت الجلد محرم ومنهي عنه شرعا، وأما الذي يُرسم على سطح الجلد فجائز شرعا، لافتا الى أن الوشم ظاهرة قديمة موجودة في كثير من البلدان، ويجب توعية الشباب بخطورة هذه الظاهرة وأضرارها الصحية، وبين أن إزالة الوشم جائزة اذا لم يترتب عليه ضرر بالموشوم. وأوصى بضرورة توجيه العلماء الى بيان حكم هذه الظاهرة ومخاطرها الطبية عبر مواقع التواصل ووسائل الإعلام، ولنتعرف أكثر على الوشم من خلال هذه السطور:
ما مفهوم الوشم لغة واصطلاحا؟
٭ الوشم لغة: أصل مادة الوشم من وشم، فيقال: وشم يشم، شم وشما، فهو واشم، والمفعول موشوم،، ويجمع على وشام ووشوم، والوشم بمعنى العلامة، ويقال: وشم اليد وشما. غرزها بإبرة ونحوها ليصنع علامة، والواشمة: هي من تفعل الوشم بنفسها أو غيرها. والمستوشمة: هي التي تطلب الوشم بجسدها وتريده. الوشم اصطلاحا: غرز إبرة ونحوها من الادوات بالبدن حتى يسيل الدم، ثم يُحشى موضع الغرز بالكامل ونحوه فيخضر الموضع أو يزرق. وللوشم أسماء مختلفة، تختلف باختلاف البلدان واللهجات.
وهل الوشم من أجل الزينة فقط أم له صلة بالعقيدة؟
٭ الوشم ظاهرة اجتماعية عرفتها الشعوب قديما، وقد انتشرت هذه الظاهرة بين البادية في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وما جاورها، وهو من باب الزينة والتجمل فقط وليس له أي ارتباطات عقدية في تلك المجتمعات البدوية البتة، كما ثبت انتشار الوشم في العالم كله في آسيا، وأفريقيا، وأميركا الشمالية والجنوبية والوسطى وأوروبا.
ما حكم الوشم في الشريعة؟ وحكم الواشم والمستوشم؟
٭ يتوقف حكم الوشم على معرفة سبب اجرائه، فالوشم الطيب الذي يرسمه الاطباء عند اجراء جراحة تجميلية هو وشم جائز، لأنه لم يُقصد به الحُسن، إنما هو لعلاج أو إزالة عيب.
أما الوشم الذي يُصنع للزينة أو إظهار القوة والفخر، أو الانتماء الى جهة، فقد اتفق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والصحيح من مذهب الحنابلة على تحريم الوشم على الفاعلة الواشمة والمفعول بها المستوشمة باختيارها ورضاها.
وما الأدلة على ذلك؟
٭ استدل العلماء على قولهم بالكتاب والسنة والمعقول.
أولا: الكتاب: استدلوا من الكتاب على تحريم الوشم الذي يكون للزينة والحُسن بقوله تعالى: ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ - النساء 117 - 119).
وجه الاستدلال من الآية: ذكر بعض المفسرين أن المقصود بتغيير خلق الله في الآية هو الوشم والنمص والتفليج، فيدخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقال الحسن ابن أبي الحسن البصري، يعني بذلك الوشم، فالوشم شكل من أشكال تغيير خلق الله.ولا يُقال بأن التغيير حاصل بالحناء والأصباغ والمستحضرات التجميلية، لأن هذه يبقى فيها العضو على حالته بخلاف الوشم.
وما أدلة العلماء من السنة؟
٭ استدلوا من السنة بأدلة نذكر منها:
الأول: ما رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة» وقال نافع: «الوشم في اللثة».
وجه الدلالة من الحديث: اللعن: يعني الطرد من رحمة الله، وهو لا يكون إلا في أمر محرم شرعا، فدل ذلك على تحريم الوشم.
الدليل الثاني: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العين حق، ونهى عن الوشم».
ثالثا: المعقول: استدلوا من المعقول بما يلي:
ـ أولا: إن الوشم فيه اعتداء وإيلام للبدن بلا ضرورة وهو لا يحل، لأنه أذى لا فائدة منه، كما قال ابن الجوزي.
ـ ثانيا: إن الوشم من قبيل التزوير والتدليس. كما قال النووي.
ـ ثالثا: إن فيه ضررا في الحال أو في المآل.
ـ رابعا: إن فيه إسرافا، والإسراف منهي عنه.
وهل النقش على سائر الجسد أو بعضه حرام؟
٭ من أبشع الصور على الإطلاق وفيها مخالفة للفطرة وهؤلاء بفعلهم هذا أظهروا عورتهم للناس وهو أمر محرم شرعا، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ - الأعراف: 27). تبين من الآية أن العري عقوبة إلهية واستجابة لداعي الشيطان. والوشم في هذه الصورة محرم ايضا، لأن حرمته لا تختص بالوجه واليدين فحسب، فلفظ الحديث لم يقيد الحرمة بهذين الموضعين.
هناك من تقوم بتحديد شكل العينين والشفتين بالوشم عن طريق الإبر ثم يحشى هذا الموضع باللون الذي تختاره ليظل على الدوام أو الشفتين بلون الحمرة باستمرار، فما حكم ذلك؟
٭ هذه الصورة حكمها نفس حكم الصورة السابقة وهو التحريم لأنه من قبيل الوشم المنهي عنه، لأن فيه إلحاق الأذى ببدن الإنسان، وقد قال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة - البقرة: 195)، إن الوشم فيه تشويه للوجه والبدن، بالإضافة الى أن أهل الملل كانوا يتخذون من الوشم صورا لمعبوداتهم، وليس الأمر ببعيد، فالنصارى يرسمون وشم الصليب على أيديهم وصدورهم، وكل هذا حرام ومنهي عنه.
وإن للوشم مخاطر صحية على الموشوم، منها: الإصابة بسرطان الجلد، والصدفية، وغيرهما من الأمراض. كما أن الوشم يشتمل على الغش والتدليس كما فيه تغيير للخلقة، وكلاهما محرم ومنهي عنه.
هناك تقنية جديدة تسمى «المايكروبليدنج» تصوره للوشم المعاصر تستخدم للحاجبين وهو رسم ظاهري للجلد دون تسرب الى أعماق البشرة، فما حكمه؟
٭ تقنية المايكروبليدنج لا تتعدى طبقة البشرة والوشم غرس اللون تحت الجلد وهو ما يعرف بطبقة الادمة والترجيح الذي يظهر لي والعلم عند الله تبارك وتعالى: جواز هذه التقنية «المايكروبليدنج»، لأن المتقرر عند العلماء أن الأصل في زينة المرأة الحل والإباحة الا ما خصه النص بالتحريم.
كما ان اي زينة اخرجها الله تعالى للنساء فإن الأصل فيها ان تكون جائزة ومباحة، ولا يحرم شيء من هذه الزينة إلا وعلى التحريم دليل من الشرع، لأن التحريم حكم شرعي، والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها الى الأدلة جوازا وعدما. وما ورد فيه التحريم هو نمص الحواجب، اما تغيير لون شعر الحواجب وتكثيفه او رسمه بالقلم، فلا دليل على تحريمه.
هل جواز هذه التقنية مقيد بضوابط شرعية؟
٭ نعم هناك ضوابط وشروط وهي:
1 - ألا تقتضي هذه التقنية إزالة بعض الشعر من الحاجبين لتصحيح الرسم، فإن اقتضى ذلك كان من النمص المحرم، فيجتمع فيه محرمان: النمص والوشم.
2 - ألا يكون فيه تشبه بالفاسقات وغير المسلمات.
3 - أن يكون فيه ستر المرأة لذلك، وعدم إظهارها ذلك لمن لا تحل له.
4 - وألا تكون المادة او الصبغة سميكة جدا بحيث تمنع وصول الماء الى البشرة عند الوضوء او الغسل.
5 - ألا يكون هناك ألم او دم يخرج اثناء رسم الحاجب.
6 - ان يكون الرسم مؤقتا ويزال ولا يكون ثابتا ودائما.
7 - ألا تضع رسومات لذوات أرواح.
8 - ألا يكون في تلك الألوان والأصباغ ضرر على الجلد.
9 - ألا تحمل الرسومات شعارات تعظم دينا معينا، او عقيدة معينة، او منهجا معينا.
10 - ألا يكون في مواضع العورة، ومن يقوم به من النساء الأمينات. وما رجحته من جواز هذه التقنية «تقنية المايكروبليدنج» فهو متعلق برسم الحواجب خصوصا، وأما ما يتعلق بعمل رسومات اخرى بهذه التقنية حول الحاجبين، أو في اي موضع آخر من مواضع الجسم، فإنني أرى أنه تشبه بغير المسلمين، ويبقى على اصله وهو عدم الجواز. وأوصي بضرورة توجيه العلماء الى ان يبينوا للناس حكم هذه الظاهرة ومخاطرها الطبية وايضا توجيه المؤسسات الى بيان مخاطرها وذلك عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل.
هل يجوز إزالة الوشم؟
٭ إذا لم يترتب عليه ضرر بالموشوم هو الراجح، لأن الضرر لا يزال بالضرر.
معنى ذلك أن تقنية المايكروبليدنج تختلف عن الوشم المحرم؟
٭ الوشم يكون تحت الجلد واختلاط الألوان بدم الإنسان محرم شرعا وهو من قبيل التغيير لخلق الله، أما إلحاق تقنية المايكروبليدنج بالوشم المحرم قياس مع الفارق، للفروق الجوهرية بين هذه التقنية والوشم في التصوير والحقيقة.