يوشع بن نون نبي من أنبياء بني إسرائيل، من نسل يوسف، كان مرافقا لموسى عليهم جميعا الصلاة والسلام، وهو الفتى الذي صحب موسى لملاقاة الرجل الصالح الذي ذكرت قصته في سورة الكهف (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا).. هذا النبي الكريم خلف موسى في حمل الأمانة وتبليغ الرسالة.
انطلق هذا النبي الكريم لفتح القدس، وأراد أن يكون جنوده من الذين خلفوا الدنيا وراءهم، ورغبوا في إرضاء الله تعالى والجهاد في سبيله، لا يشغلهم عن ذلك شاغل. فمنع عدة أصناف من بني إسرائيل أن يقاتلوا معه لانشغالهم بالدنيا وزخرفها..
1 ـ منهم الرجال الذين عقدوا على نساء، ولم يدخلوا بهن. فهؤلاء ينتظرون الفرصة التي يعودون فيها إلى نسائهم.. فقتالهم سيكون إذا قتال من يرجو الدنيا، ويسعى إليها.
2 ـ ومنهم من بنى دارا، ولما تكتمل، فهؤلاء قلوبهم معلقة بها، يتمنون العودة إليها، يبنون جدرانها، ويرفعون سقوفها.
3 ـ ومنهم من يمتلك أغناما ونوقا حان وقت ولادتها كي تكثر وتنمو، فهم يرصدون الزمن الذين يعودون بعده إلى أموالهم.
هؤلاء الأصناف الثلاثة لن يبذلوا جهدهم في لقاء العدو وجهادهم إياه. أضعفه انشغالهم بالدنيا... فليكن الجيش ـ إذا ـ جيشا ربانيا يبذل النفس رخيصة لله تعالى.
كانت القدس من أحصن المدائن أسوارا، وأعلاها قصورا، وأكثرها أهلا. فحاصرها ستة أشهر. ثم إنهم أحاطوا بها يوما إحاطة السوار بالمعصم، وضربوا الأبواب، وكبروا تكبيرة رجل واحد، فتفسخ سورها، وسقط وجبة واحدة، فدخلوها، وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم، وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال، وحاربوا ملوكا كثيرة، وظهروا على واحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام. وذكروا أنه ـ يوشع بن نون عليه السلام ـ انتهت محاصرته لها إلى يوم الجمعة بعد العصر. فلما غربت الشمس أو كادت تغرب، ويدخل عليهم السبت ـ حيث شرع لهم ألا يقاتلوا فيه ـ قال النبي يوشع للشمس: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح المدينة، وأمر القمر فوقف عن الطلوع.... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس» رواه أحمد.
وجمع يوشع الغنائم كلها، فالغنائم ـ قبل الإسلام ـ لم تكن تحل للمقاتلين، بل كان القائد يحرقها كي لا تتعلق أفئدة المجاهدين بلعاع الدنيا وزينتها، وليكون جهادهم خالصا لوجه الله الكريم سبحانه.... وقدمها للنيران، فلم تأكلها. فعلم أن بعض المقاتلين سرق منها شيئا...
فكيف يتوصل النبي الكريم إلى معرفة السارقين، ونوع المسروق؟!
جمع رؤساء القبائل، وأمرهم بمبايعته على الصدق في الجهاد. فمدوا أيديهم إليه يصافحونه ويبايعون. فلزقت يد رجل بيده، فقال بلهجة الواثق: فيكم السارق. فيكم أيها الرجل.
فقال الرجل ـ زعيم قبيلته ـ ما نفعل يا نبي الله؟
قال: اجمع رجال قبيلتك يبايعونني.
فجمعهم، وهم لا يدرون سبب تخصيصهم بالمبايعة... فلما طفقوا يبايعونه لزقت أيدي رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: أنتم السارقون. هيا أعيدوا ما أخذتموه... فأخرجوا كمية من الذهب في صرة، فبدت كأنها رأس بقرة في حجمها.
فوضعوها على المال المجموع، فأقبلت النار على الغنائم فأحرقتها.
(متفق عليه/ رياض الصالحين)