في زمن تتسارع فيه الهموم وتتراحم فيه الأولويات، لم يعد تربية الأبناء مهمة تقتصر على تلقين القيم الأخلاقية أو تحفيز التحصيل الاكاديمي فحسب، بل باتت الحاجة ماسة لتربية الوجدان، وتهذيب المشاعر، وتدريب النفس على حسن التعامل مع الذات والغير، فالذكاء العاطفي لم يعد رفاهية تربوية، بل ضرورة ملحة لصناعة جيل قادر على النهوض لا الانكسار، على التواصل لا الانعزال، على الثبات لا التهور.
الذكاء العاطفي، كما يعرفه المتخصصون، هو القدرة على إدراك المشاعر، وفهمها، والتحكم بها، واستخدامها بشكل إيجابي في التفاعل مع الآخرين، إنه النوع من الذكاء الذي لا تقيسه الاختبارات، ولا تمنحه الشهادات، بل يُكتسب بالتجربة، ويُغرس بالتربية، ويُصقل بالمواقف، وبينما اعتدنا ان نحتفي بمن يحفظ ويحلل، غفلنا عمن يحس ويعقل ويتعاطف.
وفي الهدي النبوي الشريف، نجد النموذج الأكمل للذكاء العاطفي، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي مشاعر الطفل الصغير حين مر به ورأى الحزن في وجهه لموت عصفوره، فقال له ممازحا: «يا أبا عُمير، ما فعل النغير؟» رغم مشاغله ومسؤولياته، تلك اللحظة التي نطق بها الحبيب بكلمات دافئة، حملت في طياتها احتراما لمشاعر الطفل، وتقديرا لحزنه، وتواصلا إنسانيا عميقا.
بل وفي مواقف الغضب، حيث تكون المشاعر في قمة توهجها، علمنا صلى الله عليه وسلم أن «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ليضع بذلك احد أهم معايير الذكاء العاطفي، القدرة على ضبط الانفعالات والسيطرة على الذات.
وحين جاءت المرأة تشكو فقد ولدها فصاحت وبكت، لم ينهرها النبي صلى الله عليه وسلم، بل تركها حتى هدأت، ثم قال لها بلين: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»؛ أي ان الاتزان النفسي لا يظهر في الأقوال بعد فوات الانفعال، بل في لحظة الغليان، وهذه قمة الذكاء العاطفي الذي يحفظ التوازن وقت الأزمات.
والقرآن الكريم نفسه يرسخ هذه القيم، حين يخاطب المؤمنين في مشاعرهم وتفاعلهم مع غيرهم، فيقول: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (فصلت: 34)، هو توجيه رباني يدعو الى التحكم في ردود الفعل، وتغليب الجانب الإيجابي، واحتواء الآخر.
الطفل الذي يتحلى بذكاء عاطفي يتمتع بسلوك متزن، وقدرة على التعاطف، ومرونة في حل الخلافات، ويملك أدوات تُعينه على التعامل مع الضغوط، هذا الاتزان العاطفي ينعكس على الأسرة استقرارا، وعلى المجتمع وعيا، فالبيت الذي يُربي فيه الأبناء على التفهم لا التخويف، وعلى التعبير لا الكبت، هو بيت تنتج منه شخصيات قادرة على البناء لا الهدم.
حين يغيب هذا الاتزان، تتولد في البيوت بيئات مشحونة، ويخرج منها جيل عاجز عن فهم ذاته، فضلا عن فهم غيره، أما حين نحسن غرس هذه المهارة، فإن الفرد يكتسب قدرة على التصالح مع نفسه، والأسرة تحيا في جو من المودة والرحمة، والمجتمع كله يحظى بجيل واع قادر على حمل مشعل التغيير.
ومتى كان منطلقا في التربية نابعا من مقاصد الشريعة - التي جاءت لحفظ النفس والعقل والعرض والنسل - فإن الذكاء العاطفي يصبح جزءا من هذا الحفظ، فهو أداة لحماية الطفل من الانهيار النفسي، وحصن لوقايته من التهور او الانطواء او العدوان، بل وسياج رقيق لكنه متين، يُصان به المجتمع من التفكك، وتبنى به جسور الثقة بين الاجيال.
فيا أيها المربون والآباء والأمهات، لا تكتفوا بأن تزرعوا في أبنائكم الطموح، ازرعوا فيهم الرحمة، ولا تفرحوا إن بكى طفل لخسارته في امتحان، بل اسألوه: كيف شعرت: علموه ان يصف مشاعره، كما تعلمونه أن يكتب حروفه، علموه ان الحياة لا تنتظر الاوائل فقط، بل تنتظر من يكون كيف ينهض حين يتعثر.
إن الذكاء العاطفي ليس مجرد مهارة حياتية، بل التزام شرعي وأخلاقي، وركن من أركان الفقه في النفس، لابد ان نتقنه كما نتقن الصلاة والصيام، لأنه ببساطة: هو بوابة صلاح القلب، ونقطة انطلاق العقل، وجسر الأمان للأسرة، وركيزة بناء المجتمعات.