في خضم أزمة سياسية تشهدها فرنسا منذ أسابيع، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أمس تعليق إصلاح نظام التقاعد الصادر عام 2023، والذي يثير سخط فئات واسعة في البلاد، وهو شرط أساسي يطالب به الاشتراكيون لتجنب إسقاط الحكومة.
في خطابه حول السياسة العامة، أعلن لوكورنو أنه سيقترح على البرلمان تعليق إصلاح نظام التقاعد «حتى الانتخابات الرئاسية» المقبلة المقررة في العام 2027.
ويشكل تعليق العمل بهذا القانون المحوري في ولاية ماكرون الثانية والذي مرره من دون تصويت في البرلمان في العام 2023 وينص على رفع سن التقاعد إلى 64 عاما، محور تجاذب سياسي في فرنسا منذ أسابيع.
ويطالب الحزب الاشتراكي منذ زمن بهذا الإجراء، وتعد أصواته حاسمة لتجنب إسقاط الحكومة وإبعاد احتمال إجراء انتخابات تشريعية مبكرة جديدة.
نظرا لما تكتسيه هذه القضية من أهمية لحسن سير الديموقراطية الفرنسية، دعا الإثنين الفرنسي فيليب أغيون بعد ساعات قليلة على نيله «جائزة نوبل في الاقتصاد»، إلى «وقف» كل ما يتصل بإصلاح نظام التقاعد حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2027.
تمر فرنسا بفترة غير مسبوقة من عدم الاستقرار السياسي منذ حل الجمعية الوطنية في يونيو 2024، وهو ما أسفر عن برلمان من دون أكثرية منقسم بين اليسار ويمين الوسط وأقصى اليمين.
وقال لوكورنو أمس «يتمنى البعض أن تتحول هذه الأزمة البرلمانية إلى أزمة نظام. هذا الأمر لن يحدث».
وحذر رئيس الوزراء أمام الجمعية الوطنية من أن تعليق إصلاح نظام التقاعد سيكبد البلاد «400 مليون يورو عام 2026 و1.8 مليار يورو عام 2027»، وبالتالي سيتعين «تعويض ذلك بتحقيق وفورات» في الميزانية.
في خطاب استمر نصف ساعة، أكد لوكورنو أيضا التخلي عن استخدام المادة 49.3 من الدستور، وهو إجراء يسمح باعتماد نص من دون تصويت. وكان هذا مطلبا آخر للاشتراكيين.
وصادق مجلس الوزراء في الاجتماع الأول لحكومة لوكورنو الثانية على مشروع ميزانيته للدولة لعام 2026، والذي يتعين اعتماده بحلول 31 ديسمبر.
في حين ترزح فرنسا تحت مديونية تبلغ 3.3 تريليون يورو (115% من إجمالي الناتج المحلي)، توفر هذه الميزانية وفورات مالية تبلغ 30 مليار يورو، وفق رأي المجلس الأعلى للمالية العامة ردا على سؤال لوكالة «فرانس برس» أمس.
وقد أكد رئيس الوزراء أمس أمام الجمعية الوطنية أن العجز العام «سيخفض إلى 4.7%» من الناتج المحلي الإجمالي بموجب هذا النص، على أن «يكون أقل من 5% في نهاية المناقشات» في البرلمان.
وصباح أمس، حذر المجلس الأعلى للمالية العامة من أن مشروع الموازنة استند إلى افتراضات نمو «متفائلة» أكثر من اللازم. من جانبها، وصفته زعيمة أقصى اليمين مارين لوبن بأنه «سيئ للغاية».
وفي بادرة أخرى تجاه الاشتراكيين الذين يطالبون بإجراءات تضمن العدالة الضريبية، أقر لوكورنو بوجود شوائب في الضرائب المفروضة على الأثرياء، داعيا إلى «مساهمة استثنائية» من أغنى الفرنسيين في الموازنة المقبلة.
وقالت مصادر برلمانية لوكالة «فرانس برس» أمس إن حزبي «فرنسا الأبية» (اليسار الراديكالي) والتجمع الوطني (اليمين المتطرف) قدما اقتراحات لحجب الثقة ستناقش الخميس في الجمعية الوطنية.
لكن فرص اعتماد الاقتراحات المذكورة ضئيلة، إذ أشار الحزب الاشتراكي إلى أنه لن يصوت على نصوص هذين الحزبين.
وحذر رئيس الوزراء من أنه في حال فشل البرلمان الفرنسي في إقرار ميزانية عام 2026، فإن «الوحيدين الذين سيسرون بالأزمة ليسوا أصدقاء فرنسا».