- من صندوق العروس إلى خزائن الاستثمار.. صعود الذهب يغير معادلات الادخار
- زينة الأمس تتحول إلى استثمار اليوم
- السبائك الصغيرة والغرامات المحدودة تتصدر المشهد الاستثماري الجديد
في الكويت، لم يكن الذهب يوما مجرد معدن لامع، بل كان لغة من لغات الفخر، ورمزا من رموز الحياة، ومفردة عميقة في وجدان الأسرة الكويتية، نسجت حوله الحكايات، وتباهت به الأمهات، وتزينت به العرائس في ليلة العمر، وكأنه وعد بالاستقرار والأمان، الذهب في الذاكرة الكويتية ليس للترف فقط، بل ذخيرة الأيام الصعبة وملاذ العائلة حين تعصف الأزمات.
واليوم، تعود تلك اللمعة القديمة لتسطع من جديد، ولكن هذه المرة في ضوء شاشات الأسواق العالمية وشاشات الهواتف الذكية، لا في ضوء الأعراس والمناسبات، فالأرقام تتحدث عن قفزات غير مسبوقة في أسعار الذهب.
ووفقا لبيانات التداول فقد سجل الذهب أعلى سعر منذ بداية 2025 حتى نهاية يوم 22 أكتوبر الجاري عند 4398 دولارا للاونصة الواحدة، فيما كان أدنى سعر مسجل خلال تلك الفترة عند 2624.6 دولارا للأونصة.
وسجل الذهب ارتفاعا بنحو 52% منذ بداية العام، إذ سجل اغلاق تداولات يوم 2 يناير 2025 نحو 2669 دولارا للاونصة الواحدة، فيما سجل سعر اغلاق تداولات 22 أكتوبر الجاري 4054 دولارا لللأونصة.
ويرجع الفارق بين أعلى سعر سجله المعدن الأصفر وانخفاضه خلال نهاية تداولات الأربعاء الماضي إلى عملية تصحيح استمرت لعدة أيام انخفض خلالها بنحو 5%، وذلك تزامنا مع احتمالات تراجع التوترات بين أميركا والصين وسط ضغوط من صعود الدولار وتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب قال فيها إن الرسوم الجمركية البالغة 100% التي قرر فرضها على الصين لن تكون مستدامة.
هذا الارتفاع الهائل لم يأت من فراغ، فالعالم اليوم يعيش حالة قلق اقتصادي متنام، التضخم ما زال مرتفعا، وأسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى تضغط على المستثمرين، فيما التوترات الجيوسياسية - من الحرب في أوكرانيا إلى تصاعد التوتر في الشرق الأوسط - تخلق بيئة عالمية مشبعة بالخوف، وفي مثل هذه الظروف، لا يعود الذهب مجرد سلعة، بل يصبح لغة أمان عالمية من البنوك المركزية والدول التي تتخلص من الدولار لصالح شراء المعدن النفيس.
ومن هنا، تبدلت علاقة الكويتيين بالذهب كما تبدلت الأزمنة، في الماضي، كانت المرأة تقتني الذهب حبا وزينة، تملكه ليرى، وتفخر به في المناسبات، وفي لحظة واحدة يمكن أن يتحول إلى «رصيد مالي» يقي الأسرة العوز أو يلبي الحاجة. تلك القيمة الاجتماعية ظلت متوارثة جيلا بعد جيل، لتصبح حلية الذهب في الكويت رمزا مزدوجا بين الجمال والضمان، ومع صعود الأسعار، ازداد ذلك الرمز عمقا، وكأن المعدن الأصفر يقول إن قيمته الحقيقية لا تقاس بالبريق، بل بالثقة التي يمنحها لمن يملكه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من يشتري الذهب في زمن أصبح فيه سعر الغرام الواحد بمبلغ وقدره؟ هل مازال للذهب مكان في صندوق العروس؟ أم أنه أصبح رفاهية تتوارى خلف ضجيج التضخم وغلاء المعيشة؟
في أسواق الكويت القديمة، من المباركية إلى سوق الذهب في الفروانية وحولي والجهراء، تروى الحكايات ذاتها بأصوات متباينة. تجار الذهب القدامى يرون أن الإقبال لم يخفت، لكنه تغير في طبيعته، يقول أحدهم إن «المرأة الكويتية لا تتخلى عن الذهب أبدا، لكنها أصبحت تشتريه بعين المستثمر لا بعين المتزينة»، فالخواتم والأساور التي كانت تشترى للمناسبات، باتت تقتنى اليوم باعتبارها استثمارا ذكيا ومخزنا آمنا للقيمة.
الذهب في الكويت لم يفقد بريقه، بل اكتسب معنى جديدا، في مجتمع يعرف معنى الادخار ويخشى تقلبات الزمن، أصبح الذهب أشبه بـ «التأمين الشعبي» على المدى الطويل. لا أوراق مالية ولا أسهم قادرة على أن تنافس ثقته المتجذرة في الذاكرة الكويتية، وربما لهذا السبب، حين ترتفع الأسعار، لا يفر الكويتيون منه، بل يزدادون حرصا على امتلاكه، وكأنهم يستعيدون عبره قصة أجيال رأت في الذهب أمانا يتوارث لا بريقا يفقد.
ومع كل قفزة في السعر، يتجدد السؤال الشعبي البسيط: «يا ذهب من يشتريك؟» - سؤال يحمل في طياته الحيرة بين من يراه ملاذا من الأزمات ومن يراه عبئا من الغلاء، لكنه في النهاية يظل الذهب ذاته، ذاك الرفيق الذي جمع بين زينة النساء وثروة الرجال، بين رمزية الماضي وواقعية الحاضر، ففي كل بيت كويتي، لا يزال هناك شيء من الذهب محفوظ في علبة صغيرة، لا يقدر بثمن السوق، بل بثمن الذكريات والأمان.
لكن فلسفة المستهلك تغيرت مع ارتفاع الأسعار وتوجهت إلى السبائك الصغيرة والجرامات المحدودة والتي باتت تتصدر المشهد الاستثماري الجديد.
وفي الوقت الذي يتوهج فيه الذهب، يطل الفضة من الظل، فالمعدن الأبيض الذي ظل لعقود في المرتبة الثانية، بدأ يلفت الأنظار مؤخرا مع ارتفاع الطلب الصناعي عليه في مجالات الإلكترونيات والطاقة الشمسية، إلى جانب عودته كملاذ استثماري للأفراد الذين يرون أن الذهب أصبح بعيد المنال.
ومع تجاوز سعر أونصة الفضة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، بدأ الكويتيون والمقيمون يتجهون إليه كبديل استثماري «أصغر سعرا وأوسع انتشارا»، خصوصا بين الشباب الذين يرغبون في الادخار دون أن يثقلوا ميزانياتهم.