- من «كي نت» إلى «ومض».. مدفوعات رقمية تبني ثقة المستهلك وتدعم الاقتصاد الوطني
- «تمكين التجارة الرقمية» .. إطار تشريعي يواكب التحوّل الاقتصادي ويصون حقوق المستهلك
- منصات محلية وشركات توصيل وجمارك رقمية.. منظومة متكاملة تحوّل التسوق إلى تجربة ذكية
في عصر الرقمنة المتسارع، باتت التجارة الإلكترونية مكونا رئيسيا من المشهد الاقتصادي الكويتي، إذ تلتقي فيها البنية التحتية الرقمية المتطورة مع التشريعات الحديثة والدعم الحكومي، إلى جانب توسع القنوات اللوجستية وتعدد المنصات الإلكترونية، لتشكل بيئة خصبة لنمو مستدام في الإنفاق الرقمي.
وتبرز أرقام النصف الأول من عام 2025 زخما لافتا في هذا القطاع، بينما تكشف المؤشرات عن أن هذا النمو ليس وليد المصادفة، بل هو ثمرة استراتيجية وطنية تجمع بين القطاعين العام والخاص لتطوير منظومة الاقتصاد الرقمي، وتحويل الكويت إلى مركز إقليمي للتجارة الإلكترونية واقتصاد ينمو بـ «كبسة زر».
8.8 مليارات دينار إنفاق إلكتروني
وأظهرت بيانات بنك الكويت المركزي أن إجمالي قيمة المعاملات التي تمت عبر المواقع الإلكترونية داخل البلاد وخارجها في النصف الأول من عام 2025 بلغ نحو 8.81 مليارات دينار أنفقت من قبل المواطنين والمقيمين، موزعة على 8.17 مليارات دينار داخل الكويت و642 مليون دينار مشتريات من الخارج.
وتعكس هذه الأرقام حجما ضخما للنشاط الرقمي في السوق المحلية، يؤكد رسوخ ثقافة الشراء عبر الإنترنت واتساع قاعدة المتعاملين مع القنوات الرقمية من أفراد وشركات ومؤسسات مالية.
ويشير محللون إلى أن هذا الزخم الشرائي يعكس نضوج السوق الكويتي، وانتقاله من مرحلة النمو إلى مرحلة التنظيم والتوازن، خاصة في ظل ضبط أنظمة الدفع والرقابة على التحويلات، وتنامي المنافسة بين المنصات المحلية والعالمية، وهو ما يؤشر إلى تحول نوعي في طبيعة السوق.
بنية رقمية ومصرفية تدعم النمو
ويمتاز الاقتصاد الكويتي ببنية تحتية رقمية ومصرفية تعد من الأكثر تطورا في المنطقة، إذ تصل نسبة انتشار الإنترنت إلى أكثر من 99% من السكان، مدعومة بشبكات الجيل الخامس التي غيرت مشهد الاتصال وأسهمت في رفع جودة الخدمات الإلكترونية.
كما أسهمت أنظمة الدفع الإلكتروني الحديثة مثل «ومض» والدفع عبر «كي نت» في ترسيخ الثقة بالمدفوعات الرقمية عبر توفير حلول فورية وآمنة، ما جعلها الركيزة الأساسية للتجارة الإلكترونية.
وقد طور بنك الكويت المركزي خلال السنوات الماضية بنية المدفوعات المركزية وأنظمة التسوية الفورية بين البنوك، بما يضمن سرعة العمليات وانخفاض كلفتها التشغيلية، وهو ما انعكس إيجابا على انتشار التجارة الإلكترونية. كما أطلقت بعض البنوك مبادرات لتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة من إنشاء متاجر إلكترونية متكاملة تشمل خدمات الدفع والتوصيل وخدمة العملاء، في إطار دعم توجه الدولة نحو اقتصاد رقمي شامل ومتنوع.
انتشار المنصات المحلية
وشهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة طفرة في تأسيس وتشغيل المنصات الإلكترونية التي شملت مختلف القطاعات، من السلع الغذائية والاستهلاكية عبر الأسواق الموازية، إلى الإلكترونيات والملابس ومنتجات العناية الشخصية والصيدليات والمطاعم.
وأسهمت جائحة كورونا في تسريع التحول نحو التسوق الرقمي، إذ تبنى المواطنون والمقيمون نمطا جديدا من الاستهلاك يعتمد على الراحة والسرعة والاختيار الذكي، لتصبح التجارة الإلكترونية جزءا أصيلا من المشهد التجاري اليومي.
كما أسهمت شركات التوصيل المحلية في دعم هذا التحول عبر شبكات تشغيل تغطي جميع مناطق البلاد، مع خيارات توصيل فوري، مما جعل تجربة الشراء عبر الإنترنت أكثر كفاءة وسلاسة.
وفي الوقت نفسه، عززت المنصات الإقليميـــة والعالميـــــة حضورهـــا في السوق الكويتي عبر شراكات لوجستية وتنظيمية لتسهيل الشراء من الخارج بأسعار تنافسية وأزمنة تسليم قصيرة، ما وسع حجم التجارة الرقمية ورفع من مستوى المنافسة داخل السوق المحلي.
تسهيلات جمركية
وفي إطار دعم التجارة الإلكترونية، قامت الإدارة العامة للجمارك بتبسيط إجراءات الشحنات القادمة من الخارج وتقليص زمن الإفراج عن البضائع بما يتماشى مع التحول الرقمي في الخدمات الحكومية.
وقد خفضت هذه التسهيلات الكلفة النهائية للمنتجات المستوردة عبر المنصات الإلكترونية وأسهمت في تعزيز تنافسية الأسعار للمستهلكين داخل البلاد، إلى جانب رفع مستوى الانسيابية في دخول البضائع للأسواق المحلية.
وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع المتابعة الحثيثة من وزارة التجارة والصناعة، التي عقدت اجتماعات مكثفة مع مسؤولي الجمارك وممثلي شركات التوصيل الكبرى في البلاد، وذلك بهدف رفع مستوى الجاهزية وتطوير آليات العمل الجمركي بما يتواكب مع التحول الرقمي في التجارة.
وأكدت «التجارة» أهمية تسريع عملية الإفراج الجمركي عن السلـــع المستوردة وتبسيط الإجراءات أمام شركات التوصيل والمستهلكين، مع الحفاظ على الدقة والانضباط في عمليات الفحص والتحقق، داعية إلى توحيد المعايير الخاصة بتحديد رسوم التوصيل والإفصاح عن بيانات العمليات الجمركية بما يضمن الشفافية ووضوح التكلفة أمام الجمهور.
وشددت على أن الموانئ الكويتية تشكل إحدى الركائز الأساسية في دعم الاقتصاد الرقمي من خلال تسهيل تدفق البضائع إلى السوق المحلي، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز التنسيق بين الجهات الرقابية واللوجستية لتسريع دورة الإفراج الجمركي وتحسين جودة الخدمات المقدمة لجمهور المتعاملين.
تشريعات جديدة
وفي موازاة الجهود التشغيلية، تعمل وزارة التجارة والصناعة على مشروع قانون تمكين التجارة الرقمية، الذي يعد خطوة محورية في بناء الإطار التشريعي المنظم للتجارة الإلكترونية في الكويت.
ويهدف هذا القانون إلى تنظيم سوق رقمية متنامية تقدر أعمالها بمئات الملايين من الدنانير، ومن المتوقع أن تتضاعف خلال الأعوام القادمة مع توسع التحول الرقمي ودخول التجارة الإلكترونية كمكون رئيسي في الناتج المحلي للدولة.
ويضع مشروع القانون أسسا قانونية لأنشطة حديثة ومبتكرة كانت تفتقر إلى مرجعية واضحة، إذ يشمل تنظيم المتاجر الإلكترونية، والإعلانات الرقمية، والتسويق عبر المؤثرين، وينشئ سجلات تجارية رسمية للمتاجر الرقمية، بما يضمن الشفافية ويمنع استغلال الفضاء الإلكتروني في أنشطة غير قانونية مثل غسل الأموال أو انتهاك الملكية الفكرية.
ويتوقع أن يشكل القانون الجديد حجر الأساس لبناء بيئة تشريعية متكاملة تدعم الاقتصاد الرقمي الكويتي وتحمي المستهلكين وتشجع الاستثمارات المحلية والأجنبية في هذا القطاع الواعد.
ويجسد مسار التجارة الإلكترونية في الكويت تحولا اقتصاديا منظما تقوده التكنولوجيا والتشريعات الحديثة في آن واحد، فمن البنية التحتية الرقمية المتقدمة، مرورا بالتسهيلات الجمركية واللوجستية، وصولا إلى قانون تمكين التجارة الرقمية، تبني الكويت منظومة متكاملة تواكب التحول العالمي نحو الاقتصاد الذكي.
ومع اتساع قاعدة المتعاملين وتزايد ثقة المستهلكين، تبدو الكويت اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من النضج الرقمي، حيث تتقاطع التقنية مع الكفاءة المؤسسية لتشكل معا رافدا رئيسيا للنمو الاقتصادي المستدام.
مزادات «الأونلاين».. جيل جديد من التجارة
تشهد المزادات الإلكترونية في الكويت توسعا لافتا، لتصبح أحد الفروع النشطة في منظومة التجارة الرقمية، إذ أتاحت للمستهلكين والشركات بيع السلع والخدمات عبر الإنترنت بطريقة تنافسية وشفافة، تدار في زمن محدد وبإشراف إلكتروني متكامل.
وأسهم هذا النوع من المزادات في تنشيط الأسواق الثانوية وتدوير المنتجات بسرعة، إلى جانب رفع مستويات الشفافية السعرية ودعم التحول نحو المدفوعات الرقمية، من خلال تقليل التعامل النقدي وزيادة الاعتماد على أنظمة الدفع الآمنة مثل «كي نت» و«ومض». وترتكز المزادات الرقمية في الكويت على أطر قانونية وتنظيمية واضحة، من أبرزها قانون المعاملات الإلكترونية رقم (20) لسنة 2014 وقانون حماية المستهلك رقم (39) لسنة 2014، بما يضمن حقوق الأطراف ويعزز الثقة في بيئة التداول الإلكتروني. كما تعمل الجهات المختصة على تطوير ضوابط جديدة لتوثيق الهويات وضمان الأموال، بما يحافظ على مصداقية المنصات ويسهم في ترسيخ مكانة المزادات الإلكترونية كأحد روافد الاقتصاد غير النفطي ودعائم النمو الرقمي في الكويت.
الدفع الإلكتروني والأمن السيبراني
يعد الأمان الرقمي والثقة في أنظمة الدفع من أهم عناصر نجاح التجارة الإلكترونية في الكويت، فقد عمل البنك المركزي الكويتي على تطوير تعليمات تنظيمية لمقدمي خدمات الدفع الإلكتروني وضمان امتثالهم للمعايير العالمية لحماية البيانات.
وتبنت الكويت إستراتيجية وطنية للأمن السيبراني تشمل القطاعات المصرفية والتجارية الرقمية، ما عزز ثقة المستهلكين في التعامل عبر الإنترنت ودفع مزيدا من التجار والمشروعات الصغيرة نحو اعتماد قنوات البيع الإلكتروني.
وقد أدت هذه المنظومة الأمنية المتكاملة إلى توسيع قاعدة النشاط الرقمي وتكريس مفهوم «الثقة في السوق الإلكترونية»، لتصبح الكويت نموذجا رائدا في التوازن بين الابتكار التكنولوجي والتنظيم المالي، وفي بناء سوق رقمية آمنة ومستدامة تعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.