يزخر تاريخنا العسكري بالعديد من القادة الاستراتيجيين الذين رسموا المجد لقواتنا المسلحة بفضل أفكارهم ونظرياتهم المتعددة، ووضعوا بصمة خالدة مطبوعة بأسمائهم من خلال أعمالهم وإنجازاتهم ومن هؤلاء: الفريق ركن
علي محمد المؤمن الرئيس الأسبق للأركان العامة للجيش والذي شغل أيضا منصب سفير الكويت في بغداد، له النصيب الأوفى في تحديث قواتنا المسلحة، وصانع الأسطورة قبل أن تبدأ الشهرة.
التحق المؤمن بالقوات المسلحة عام 1952، ورشحه رئيس الأركان الأسبق الفريق مبارك العبدالله للالتحاق بكلية الطلبة الضباط في المملكة المتحدة عام 1954، وبتكليف له من القيادة العسكرية آنذاك بالبقاء في بريطانيا وأخذ دورات تحويلية في صنوف الأسلحة الأخرى.
عين المؤمن رئيسا للأركان عام 1993 حتى 2003 وبعدها عين سفيرا للكويت في العراق، فكان أول سفير يعين بعد الغزو العراقي الغاشم عام 2008.
واتصف المؤمن بالحكمة الاستراتيجية في اتخاذ القرار وكان محل إعجاب المؤرخين العسكريين في زمنه وبسجله الحافل بدءا بأزمة عبدالكريم قاسم عام 1961 وحرب أكتوبر عام 1973 وكان آمرا للقوة الكويتية على الجبهة السورية، ودوره البارز في المشاركة في «عاصفة الصحراء» التي ادت إلى تحرير الكويت في عام 1991، وانفتاح القوات المسلحة عام 1994 في مواجهة الحشد العراقي، كما مثل الكويت خير تمثيل في اللجان العسكرية المشتركة في جامعة الدول العربية وعين قائدا لقوات الردع العربية.
أسهم المؤمن في استراتيجية التحول والبناء للقوات المسلحة بعد التحرير، حيث وضع الدراسات في تحديث وتطوير الجيش والهيكل التنظيمي له، وعزز القوات الدفاعية بشراء الأسلحة وترسيخ التعاون والمشاركات مع الدول الصديقة والشقيقة في التمارين المشتركة والاستفادة المتبادلة في رفع الكفاءة والارتقاء بأساليب التدريب.
اتصفت رؤيته الاستراتيجية بالتصور وبعد النظر مع الواقع، فكان صاحب رؤى صادقة وتنبؤ بمجريات العمل الاستراتيجي، ويعتبر من القلة الذين برعوا في الجانبين العسكري والديبلوماسي والتي تعتبر تكاملا لا تطابقا، وهذا ما حدث في حرب 1973 في سورية، حيث جهز القوة من تجميع وتأليف وأعطى دراسة واضحة ومفصلة للأرض التعبوية، وعمد بنفسه على الاستطلاع الميداني لمسرح العمليات واستخدم مبدأ أمن العمليات والخداع التعبوي وأسلوب المباغتة بانتقاء المكان والزمان المناسبين وهي طريقة تخالف توقع العدو الذي فاجأه بنيران المدفعية الكويتية، وعمل على رفع معنويات القوة بزيارة سمو الأمير الراحل الشيخ سعد العبدالله، طيب الله ثراه، الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك إلى ميدان المعركة وكان للزيارة الأثر البالغ في القوة الكويتية، فمن هنا كان جنوده أكثر الجنود انضباطا وأشدهم إقداما وأثبتهم جنانا.
ومن الناحية الديبلوماسية تميزت شخصيته بالتصميم والإرادة وكان يجيد فن المفاوضات وجوهر الرسالة وهي من المهارات التي تصقل من خلال التجارب والخبرات.
وكانت استراتيجيته الاجتماعية في تعزيز العمل التطوعي لمركز رعاية العمل الإنسانية عام 2003 لمدة 7 سنوات، والذي كرم على أثره في مقر الأمم المتحدة لجهوده الإنسانية.
وأما في الناحية العلمية فكان المؤمن واسع الثقافة والاطلاع وله ملكة التحدث بالإنجليزية والفرنسية، والمعرفة عنده لا حدود لها، ومؤلف كتاب «مذكرات عسكري كويتي من اللياح إلى اللياح مرورا بالجولان» الذي يوثق أحداثا مهمة مرت على الجيش الكويتي، والذي مازال مصدرا مهما للبحوث والدراسات الحالية والمستقبلية.
من كلماته التي لا تنسى: «قدري أن أكون بحرفة أدافع عن بلدي وأخدم سياسة الكويت إن كانت بأهداف عربية أو أهداف وطنية»، و«هناك مفهوم خاطئ للصفة العسكرية، فالعسكري أكثر إنسان يفهم العاطفة لأنه متعود على الخطر ويشاهد المآسي».
وكان لكاتب هذه السطور شرف كبير في مصافحة هذا القائد الفذ في تكريم نخبة من المعلمين على مستوى القوات المسلحة عام 1998 وتشرفت بتسلم شهادة تحمل توقيعه المميز.
لقد خاض هذا القائد اللامع والاستراتيجي البارع مسيرة حافلة من الإنجازات على المستويين العسكري والديبلوماسي، فكان نموذجا للشخصية القيادية تاركا لنا إرثا زاخرا أسهم في تطوير قواتنا المسلحة في ميدان السلم والحرب.. ودمتم ودام الوطن.
[email protected]