يعد النجاح في إعادة تدوير بطاريات المركبات الكهربائية خطوة محورية لمستقبل التنقل النظيف، فهذه الخلايا معقدة بطبيعتها، والغاية ليست التخلص منها عند انتهاء عمرها، بل استرجاع أكبر قدر ممكن من المواد التي صنعت منها لإعادة استخدامها مجددا.
ورغم الصعوبات التي تواجه هذه العملية عالميا، تعلن شركات صينية اليوم أنها قادرة على استرجاع ما يصل إلى 99.6% من النيكل والمنغنيز والكوبالت الموجودة في البطاريات، وإذا ما تم التحقق من هذه الأرقام، فستكون إنجازا لافتا يتجاوز الأهداف التي وضعها الاتحاد الأوروبي لنهاية العقد، مع أحجام تدوير أقل بكثير، حيث تعد بطاريات NMC المكونة من النيكل/المنغنيز/الكوبالت الأكثر انتشارا بين المركبات الكهربائية طويلة المدى.
ريادة صينية في الإنتاج والتدوير
وتتصدر الصين العالم في إنتاج بطاريات المركبات الكهربائية وإعادة تدويرها، وقد اعتمدت مؤخرا معايير أكثر صرامة لإعادة التدوير، وتسعى لدفع المجتمع الدولي لتبني هذه المواصفات، وعندما اقترحت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية (MIIT) هذه المعايير لأول مرة عام 2019، نصت على ضرورة استرجاع 85% من الليثيوم، قبل رفع النسبة إلى 90% في عام 2024. وتشير تقارير أخرى إلى تحقيق تقدم بحثي كبير في هذا المجال داخل الصين.
وتعد شركة Guangdong Brunp Recycling Technology (التابعة لعملاق البطاريات CATL) أكبر جهة لإعادة تدوير بطاريات المركبات الكهربائية في الصين، وتؤكد الشركة امتلاكها لخط إعادة تدوير مؤتمت بالكامل يعالج 120 ألف طن من البطاريات سنويا، مع خطط لرفع القدرة إلى مليون طن، كما تدير أكثر من 200 موقع إعادة تدوير وتتعامل مع أكثر من نصف احتياجات الصين من إعادة تدوير بطاريات المركبات الكهربائية.
هل تحققت نسبة 99.6% على نطاق واسع؟
لا توجد دلائل حتى الآن على تحقيق معدل الاسترجاع القياسي هذا على نطاق صناعي، ومن المرجح أن النتائج تمت في ظروف مخبرية، وإن كانت العملية تستهلك طاقة مكثفة، فقد ينتج عنها تلوث كبير، وتستخدم بعض الشركات الصينية تقنية «الاستخلاص بالمحاليل الحمضية» (الهيدرومتالورجيا) لاستعادة الليثيوم وعناصر أخرى بدرجة نقاء عالية، وهي طريقة أقل استهلاكا للطاقة، لكنها تتطلب معالجة دقيقة لمياه الصرف خطوة قد تتجاهلها بعض الشركات لخفض التكاليف.
وقد فرضت أيضا معايير لاسترجاع العناصر النادرة والنحاس والألمنيوم بنسبة 98%، وهي النسبة نفسها المطلوبة للنيكل والكوبالت والمنغنيز، وتخطت بعض الشركات هذه الأرقام، إذ تستعيد أكثر من 99% من المواد الأساسية.
وتبلغ النسبة بالتحديد 99.6% للنيكل والمنغنيز والكوبالت، بينما تصل إلى 98% لليثيوم، وتشمل هذه المعايير ليس فقط بطاريات المركبات الكهربائية، بل أيضا بطاريات التخزين والطاقة البحرية وغيرها من التطبيقات.
تقليل الاعتماد على التعدين.. خطوة نحو الاستقلال
من الطبيعي أن يعاد استخدام المواد المسترجعة في حزم بطاريات جديدة، ما يقلل الطلب على المواد الخام. ويظل التعدين أحد أكثر جوانب المركبات الكهربائية إثارة للجدل، سواء لآثاره البيئية أو الاجتماعية. ومع تزايد عدد المركبات الكهربائية، ستصبح إعادة استخدام المعادن أكثر أهمية لتقليل الحاجة إلى استخراج مواد جديدة.
ويرغب الاتحاد الأوروبي في إصدار تشريع يلزم أي بطارية بسعة تتجاوز 2 كيلوواط/ساعة باحتواء نسب محددة من المواد المعاد تدويرها بحلول 2031 (16% للكوبالت، و6% لليثيوم والنيكل)، كما يهدف لرفع نسب الاسترجاع إلى 95% للكوبالت والنحاس والرصاص والنيكل، و80% لليثيوم، وهي نسب أقل مما تقول الصين إنها قادرة على تحقيقه حاليا.
ويبدو أن الصين ستحتفظ بريادتها في إنتاج وتدوير بطاريات المركبات الكهربائية، ومع تزايد قدرتها على تجميع هذه العناصر غير المستخرجة محليا، سينخفض اعتمادها على المواد الخام، لتقترب من «حلقة مغلقة» مكتفية ذاتيا تعتمد على تدوير ملايين البطاريات بدلا من استيراد مواد خام من أفريقيا أو أميركا الجنوبية.
ماذا عن الولايات المتحدة؟
في الولايات المتحدة، تعد شركة Redwood Materials واحدة من أكبر شركات إعادة التدوير، وتقول إنها قادرة على استرجاع 95% من النيكل والكوبالت والليثيوم والنحاس، لكنها لم تحقق ذلك بعد على نطاق واسع، وتخطط لإنتاج بطاريات جديدة باستخدام المواد المسترجعة، مستهدفة قدرة إنتاجية تصل إلى 500 غيغاواط/ساعة بنهاية العقد.
وأشارت رويترز عام 2023 إلى أن قانون خفض التضخم الأميركي تضمن بنودا تعتبر تلقائيا أن المواد المعاد تدويرها داخل الولايات المتحدة تعد مواد أميركية المنشأ لأغراض الدعم الحكومي، بغض النظر عن مصدرها الأصلي، وذلك لتحفيز إعادة التدوير والحد من هيمنة الصين شبه المطلقة.
لكن مع تقليص إدارة ترامب الحالية للحوافز المخصصة للمركبات الكهربائية والبطاريات وصناعاتها الداعمة، لا يبدو أن الريادة الصينية ستهدد قريبا، ومع استمرار التحول نحو السيارات الكهربائية، وبدء البطاريات الحالية بالوصول إلى نهاية عمرها، ستزداد الحاجة إلى إعادة تدويرها بشكل كبير.