Search Mobile
  • alanba twitter
  • Alanba Facebook
  • Alanba Threads
  • Youtube
  • Alanba Instagram
  • alanba TV
  • alanba Tiktok
  • الرئيسية
  • أخبار الكويت
    • أخبار الكويت
  • أمن وقضاء
    • أمن وقضاء
  • عربية وعالمية
    • عربية وعالمية
  • اقتصاد وأعمال
    • اقتصاد وأعمال
  • رياضة
    • رياضة
  • المجتمع
    • المجتمع
  • فنون
    • فنون
  • منوعات
    • منوعات
  • حول العالم
    • حول العالم
  • كتاب وآراء
    • كتاب وآراء
    • أرشيف الكتاب
  • تقارير خاصة
  • الأخيرة
    • الأخيرة
    • الوفيات
  • alanba english
  • alanba logo white
  • لمحه عن الأنباء
    • عربي
    • English
  • الصفحات الملونة PDF
  • BBC NEWS | عربي
  • أوقات الصلاة
  • الطقس
  • الوفيات
  • مؤشر البورصة
  • كاريكاتير
  • بودكاست
  • استديو الانباء
  • عناوين الموضوعات
  • الإعلان والتسويق
  • التوزيع والاشتراكات
  • خدمة RSS
  • اتصل بنا
 
  • الرئيسية
  • اتصل بنا
  • لمحه عن الأنباء
    • عربي
    • English
  • الإعلان والتسويق
  • التوزيع والاشتراكات
  • خريطة الموقع
  • صفحات PDF
  • الخميس - 18 من الحجة 1447 - 4 يونيو 2026 - العدد: 17706
Mobile Logo
Logo
 
للتواصل معنا:
  • Twitter
  • Facebook
  • Threads
  • alanba TV
  • Instagram
  • RSS
  • Whatsapp
  • Youtube
كويتية يومية سياسية شاملة
 
  • الرئيسية
  • أخبار الكويت
  • أمن وقضاء
  • عربية وعالمية
  • اقتصاد وأعمال
  • رياضة
  • المجتمع
  • فنون
  • منوعات
  • حول العالم
  • كتاب وآراء
    • أرشيف الكتاب
  • تقارير خاصة
  • الأخيرة
    • الوفيات
  • alanba english
عاجل
  • سعر برميل النفط الكويتي يرتفع 4.89 دولاراً ليبلغ 109.92 دولاراً
  • م. رباب العصيمي لـ«الأنباء»: نشر إعلان تسجيل الكويتيين الجامعيين للعمل في «إشرافية التعاونيات» الأحد المقبل والتقديم من 10 حتى 24
  • رئيس الوزراء تفقّد «T1»: مباشرة كل الإجراءات لتنفيذ الإصلاحات وإعادة تأهيل المبنى لعودته إلى جاهزيته التشغيلية في أقرب وقت
  • النائب الأول: استكمال أعمال المعاينة الفنية للمطار وإجراء تقييم شامل ودقيق للأضرار
  • ولي العهد: التنسيق والمتابعة المستمرة لتعزيز العمل الخليجي المشترك
  • الطبطبائي: رفع مستوى المتابعة الميدانية خلال امتحانات الثانوية.. وسلامة الطلبة وراحتهم أولوية قصوى
  • Facebook
Note: English translation is not 100% accurate
  • الرئيسية
  • تقارير خاصة
  • twitter
  • facebook
  • whatsapp
  • viber
  • email

المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 يمثل منعطفاً تأسيسياً في البناء التشريعي الكويتي وخطوة متقدمة نحو بناء منظومة ورؤية متوازنة تجمع بين الصرامة في حماية المجتمع والمرونة بمعالجة حالات الإدمان

فيصل الكندري أعد دراسة عن فلسفة التجريم والعدالة الوقائية في قانون المخدرات

12 ديسمبر 2025
المصدر : الأنباء
A+
A-
Printer Image
X
نجاح في عملية تلخيص الموضوع
حدث خطأ، الرجاء اعادة المحاولة
لا يوجد نتائج في عملية تلخيص الموضوع
التلخيص تم عبر الذكاء الاصطناعي OPENAI
أستاذ القانون الجنائي د. فيصل الكندري
  • التشريع أعاد صياغة الفلسفة القانونية الحاكمة لجرائم المخدرات داخل إطار موحّد يجمع بين التجريم والوقاية والعلاج في بنية واحدة متماسكة
  • التشريعات القديمة لم تعد قادرة على الاستجابة للواقع الإجرامي والطبي الحديث ولم تعد تواكب التطور الهائل في أنواع المواد المخدرة وأساليب تصنيعها وترويجها
  • محكمة التمييز رسّخت في عام 2003 قاعدة أن ماهية المادة المخدرة لا يمكن إثباتها إلا عن طريق التحليل الفني وأن أي حكم يخلو من بيان النتيجة العلمية يعدّ حكماً قاصراً
  • الدراسة تسعى إلى إبراز كيفية انتقال القانون من دائرة «مكافحة الفعل» إلى «مكافحة الخطر» ومن مفهوم «الردع فقط» إلى «الردع مع العلاج» ومن نظام «الجداول المغلقة» إلى «التصنيف المرن»
  • التشريع الجديد تحوّل لا يمكن اختزاله في مجرد تنقيح بعض النصوص أو توحيد الجداول أو تغليظ العقوبات بل إعادة بناء شاملة للفلسفة الجنائية
  • القانون الجديد انتقال واعٍ من منطق تشريعي قديم إلى منطق جديد يتعامل مع الظاهرة بوصفها واقعاً اجتماعياً متشابكاً تتداخل فيه الأبعاد الصحية والاقتصادية والنفسية والأمنية
  • منظومة تشريعية تنتهج العدالة الوقائية والعدالة العلاجية في آن واحد وتحيل الجريمة من كونها فعلاً فردياً معزولاً إلى ظاهرة مركبة تحتاج إلى شبكة من التدخلات المؤسسية المتناسقة
  • وضع تصوّر وظيفي للمادة المؤثرة عقلاً وللحيازة بمفهومها الواسع وللترويج والمقايضة والشراء كأفعال مستقلة تقوم عليها المسؤولية الجنائية
  • المرسوم بقانون جعل من الكشف المبكر وسيلة لحماية المجتمع بدلاً من الاقتصار على العقوبة بعد وقوع الفعل وأعاد بناء منظومة الإيداع والعلاج ووضع آليات واضحة لضمان حسن تنفيذها
  • المادة 61 قررت عدم إقامة الدعوى الجزائية على من يتقدم طوعاً للعلاج قبل ضبطه وهو نص يمثل نقلة فكرية مهمة لأنه يعكس تصوراً جديداً للمتعاطي لا باعتباره مجرماً بل مريض يحتاج إلى منظومة علاجية تسبق العقاب
  • المُشرِّع ينظر إلى تعاطي المخدرات لا بوصفه خطراً فردياً فقط بل سلوك يحمل مخاطر مضاعفة متى اقترن بقيادة المركبات أو بحيازة السلاح مما جعل الفحص الوقائي جزءاً من منظومة ضبط المخاطر في المجالين المروري والأمني
  • تشديد العقوبة ليس وحده الطريق لخنق الظاهرة بل الوقاية والعلاج وإعادة الإدماج عناصر متكاملة في منظومة واحدة تعزز فاعلية الردع وتحمي المجتمع من التوسع في دائرة الإدمان
  • المرسوم وحّد مفاهيم تعريف المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية في المادة الأولى وجعل معيار التجريم يستند إلى الأثر الكيميائي والنفسي للمادة لا إلى اسمها التجاري أو شكلها الخارجي


مقدمة الدراسة

أعد أستاذ القانون الجنائي د.فيصل الكندري دراسة تحليلية عن فلسفة التجريم والعدالة الوقائية في المرسوم بقانون المخدرات والمؤثرات العقلية الجديد رقم 159 لسنة 2025.

وتنهض هذه الدراسة على مساءلة علمية دقيقة لمنظومة التجريم والعقاب والعلاج التي جاء بها المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو تشريع يمثل منعطفا تأسيسيا في البناء التشريعي الكويتي، لأنه أعاد صياغة الفلسفة القانونية الحاكمة لجرائم المخدرات داخل إطار موحد يجمع بين التجريم والوقاية والعلاج في بنية واحدة متماسكة.

وقد فرضت التحولات الاجتماعية والصحية والتقنية والاقتصادية التي شهدها المجتمع الكويتي خلال العقود الأخيرة ضرورة ملحة لإعادة تقييم التشريعات السابقة، لاسيما قانون 74 لسنة 1983 وقانون 48 لسنة 1987، اللذين لم يعودا قادرين على مواكبة التطور الهائل في أنواع المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وأساليب تصنيعها وترويجها، فضلا عما كشفت عنه التطبيقات القضائية من ثغرات مفاهيمية وإجرائية أثرت في سلامة التكييف وعدالة الأحكام.

وقد برزت الحاجة إلى هذا التشريع بصورة أوضح من خلال أحكام محكمة التمييز الكويتية، التي شكل اجتهادها القضائي المتراكم ـ منذ سبعينيات القرن الماضي ـ مرجعا عمليا كاشفا عن مواطن القصور في النظام القديم، فقد رسخت المحكمة في الطعن رقم 300 لسنة 2002 جزائي ـ جلسة 27/5/2003 قاعدة أن ماهية المادة المخدرة لا يمكن إثباتها إلا عن طريق التحليل الفني، وأن أي حكم يخلو من بيان النتيجة العلمية يعد حكما قاصرا، كما أكدت في الطعن رقم 185 لسنة 2016 ـ جلسة 20/11/2017 أن العلم بطبيعة المادة عنصر جوهري لا تقوم بدونه الحيازة الجنائية، وأن الحيازة الحكمية تكفي لقيام المسؤولية إذا ثبت بسط السلطان على المادة عن علم وإرادة، وفي الطعن رقم 139 لسنة 2015 ـ جلسة 12/11/2015 قررت المحكمة أن عدم بيان النسبة الفعالة في المستحضرات الطبية التي يشترط القانون نسبتها يؤدي إلى سقوط الركن المادي للجريمة، مما جعل تحديد نسب المواد شرطا جوهريا في صحة الإدانة.

هذه الأحكام ـ وغيرها كثير ـ كشفت عن أن التشريع القديم لم يعد قادرا على الاستجابة للواقع الإجرامي والطبي الحديث، وأن بناء منظومة جديدة لابد أن يستند إلى فلسفة مختلفة، لا تقوم على الردع العقابي وحده كما كان الحال في مرحلة 1995، ولا على التساهل العلاجي وحده كما حاولت بعض مراحل 2007، بل على بنية متكاملة ترى أن مواجهة المخدرات تتطلب أدوات تشريعية متشابكة، تشترك فيها النيابة العامة والسلطة القضائية ووزارة الصحة ووزارة الداخلية ومؤسسات التأهيل، وفق رؤية وقائية تعتمد على التدخل المبكر، وعلى التجريم الذكي، وعلى ضبط المواد الأولية والسلائف الكيميائية، وعلى تجفيف منابع التصنيع غير المشروع قبل وصول المادة إلى المستهلك.

وانطلاقا من هذا الإطار، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الفلسفة الجنائية التي يقوم عليها المرسوم بقانون 2025، واستجلاء أوجه الجدة في تعريفاته ومفاهيمه وهندسته التشريعية، والكشف عن مدى اتساقه مع الاجتهاد القضائي ومع المعايير الدولية، وبيان تأثيره المباشر في إعادة بناء نظام جرائم المخدرات في الكويت، كما تسعى الدراسة إلى إقامة مقارنة منهجية بين المنظومة القديمة والمنظومة الجديدة، وإبراز كيفية انتقال القانون من دائرة «مكافحة الفعل» إلى دائرة «مكافحة الخطر»، ومن مفهوم «الردع فقط» إلى مفهوم «الردع مع العلاج»، ومن نظام «الجداول المغلقة» إلى نظام «التصنيف المرن» الذي يستوعب المستجدات العلمية بسرعة دون الإخلال بمبدأ الشرعية.

وبذلك، فإن المقدمة تضع إطارا مفاهيميا ومسارا فكريا للدراسة يقوم على تحليل فلسفي ـ قانوني متعمق للمرسوم بقانون، وعلى قراءة متماسكة لتطبيقاته المتوقعة في ضوء أحكام محكمة التمييز، وعلى استشراف أثره في تطوير السياسة الجنائية الكويتية، بما ينسجم مع تطلعات الدولة في بناء منظومة تشريعية قادرة على مواجهة أخطر الظواهر الإجرامية في العصر الحديث.

المبحث الأول

فلسفة القانون الجزائي الكويتي الجديد في مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية وأثرها على البنية العقابية والإجرائية في المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025

مقدمة المبحث

يمثل هذا المبحث المدخل الفكري والمنهجي لفهم التحول البنيوي العميق الذي أحدثه المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 في منظومة التجريم والعقاب والإجراءات في التشريع الكويتي المتعلق بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو تحول لا يمكن اختزاله في مجرد تنقيح لبعض النصوص أو توحيد للجداول أو تغليظ للعقوبات، بل هو إعادة بناء شاملة للفلسفة الجنائية التي يرتكز إليها القانون، وانتقال واع من منطق تشريعي قديم كان ينظر إلى ظاهرة المخدرات باعتبارها مسألة عقابية محضة، إلى منطق جديد يتعامل مع الظاهرة بوصفها واقعا اجتماعيا متشابكا تتداخل فيه الأبعاد الصحية والاقتصادية والنفسية والأمنية، وتستدعي بالتالي منظومة تشريعية تنتهج العدالة الوقائية والعدالة العلاجية في آن واحد، وتحيل الجريمة من كونها فعلا فرديا معزولا إلى ظاهرة مركبة تحتاج إلى شبكة من التدخلات المؤسسية المتناسقة.

وقد تجسد هذا التحول في بنية المرسوم بقانون من خلال إعادة صياغة المفاهيم المركزية الواردة في المادة الأولى التي لم تعد تكتفي بالتعريف التقليدي للمخدرات، بل وضعت تصورا وظيفيا للمادة المؤثرة عقلا وللحيازة بمفهومها الواسع، وللترويج والمقايضة والشراء كأفعال مستقلة تقوم عليها المسؤولية الجنائية، كما ظهرت ملامح هذا التحول في المادة 42 التي أعادت صياغة دائرة التجريم بصورة تجعل معيار الخطر الاجتماعي هو جوهر الفعل المجرم، وليس المقابل المالي أو الشكل المادي للسلوك، وفي إعادة بناء نظام الإباحة والترخيص ليصبح نظاما رقابيا دقيقا، يقوم على الالتزام بسجلات إلكترونية وإجراءات صارمة للحفظ والتداول.

إلى جانب ذلك، وسع المرسوم بقانون من نطاق أدوات الدولة الوقائية عبر المواد 66 وما بعدها التي وضعت للفحص الإلزامي والعشوائي إطارا قانونيا متكاملا يربط بين السلوك الفردي وسلامة الوظيفة العامة والأمن الصحي، وجعلت من الكشف المبكر وسيلة لحماية المجتمع بدلا من الاقتصار على العقوبة بعد وقوع الفعل، كما أعاد القانون بناء منظومة الإيداع والعلاج، ووضع آليات واضحة لضمان حسن تنفيذها، مستفيدا من الخبرة القضائية المتراكمة، ولاسيما من أحكام محكمة التمييز الكويتية التي أرست المبادئ الحاكمة للعلاج الطوعي، وللعلاقة بين العلم والقصد، وللتمييز بين الحيازة العرضية والحقيقية، ولضرورة سلامة الإذن والإجراء في قضايا المخدرات.

ولم يقف المرسوم عند حدود الفلسفة التقليدية للجريمة، بل أدخل في بنيته مفاهيم جديدة تعبر عن تطور علم الإجرام الحديث، أبرزها الأخذ بنظرية «شبكة الأدلة» التي تمكن المحكمة من فهم الجريمة بصورتها الشبكية، مع تتبع الأثر الرقمي والمالي والسلوكي بوصفه جزءا من البنية الإجرامية التي لا تختزل في ضبط المادة وحدها. فالقانون لم يعد يقيم المسؤولية على الدليل المنفرد، بل على الترابط بين الأدلة المادية والفنية والرقمية وسلوك المتهم قبل وبعد الواقعة، وهو ما ينسجم مع ما رسخته محكمة التمييز في عدد من أحكامها، ومنها الطعن رقم 894 لسنة 2017 ـ جلسة 26/3/2018 الذي أكدت فيه أن قصد الاتجار قد يستخلص من مجموع الأدلة والقرائن المتساندة التي تكشف صورة النشاط الإجرامي في سياقه الكامل، لا من عنصر واحد معزول.

كما تجاوز المشرع الطبيعة التقليدية للجرائم عبر محاصرة استخدام التكنولوجيا الحديثة في الاتجار والترويج والتعامل غير المشروع بالمخدرات، معتبرا الوسائط الرقمية جزءا من نطاق التجريم، لأن الجريمة باتت تتم عبر التطبيقات المشفرة، والمحافظ الإلكترونية، والمنصات المغلقة، والتسليم غير المباشر عبر النقاط الميتة، مما استوجب توسيع دائرة القانون لتشمل الأفعال الرقمية بوصفها أفعالا مادية مكتملة. ويأتي هذا التوسع منسجما مع اتجاه محكمة التمييز في الطعن رقم 645 لسنة 2015 ـ جلسة 26/9/2016 التي قررت أن معيار الاتجار ليس شكل الوسيلة بل قدرتها على تحريك المادة داخل المجتمع.

وبذلك، يصبح هذا المبحث إطارا تحليليا لفهم الأسس الفكرية التي بني عليها المرسوم بقانون 159/2025، وما صاحب ذلك من إعادة هندسة للبنية العقابية وامتداداتها الإجرائية، ومن تطوير لمفهوم الدليل وشبكيته، ومن إحاطة تشريعية بالتكنولوجيا الحديثة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من النشاط الإجرامي المعاصر. ومن ثم يتناول المبحث، في مطالبه الواسعة، فلسفة القانون الجديد في ضوء هذا التحول، وتأثيره على العقوبة، وأثره على الإجراءات، وعلى مفهوم الأدلة، وعلى التفاعل مع التقنيات الحديثة، بحيث تتضح صورة التشريع لا باعتباره نصوصا منفصلة بل منظومة متكاملة تنطلق من رؤية وقائية متقدمة.

المطلب الأول

٭ التحول الفلسفي من الردع العقابي الصارم إلى العدالة الوقائية والعلاجية

لم يعد المشرع الكويتي ينظر إلى جرائم المخدرات باعتبارها جرائم تقليدية يكتفى لمعالجتها بتشديد العقوبات أو توسيع نطاق التجريم أو رفع سقف الحد الأدنى والحد الأقصى، كما كان عليه الحال في القانون رقم 13 لسنة 1995، بل أصبح ينظر إلى الجريمة بوصفها ظاهرة تتشابك فيها العناصر النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتلاقى فيها الإدمان مع الاتجار، ويختلط فيها المتعاطي بالمروج، ويتأثر فيها السلوك الإجرامي ببيئة رقمية متغيرة، وبتقنيات تصنيع متطورة، وبقنوات تهريب عابرة للحدود، وبسوق سوداء عالمية لم تعد ترتبط بالمخدرات الطبيعية وحدها، بل امتدت إلى المؤثرات العقلية المصنعة والسلائف الكيميائية.

ومن هذا المنطلق، صاغ المشرع فلسفته التشريعية الجديدة، التي ظهرت بوضوح في مواد الإعفاء من الملاحقة، مثل المادة 61 من المرسوم بقانون، التي قررت عدم إقامة الدعوى الجزائية على من يتقدم طوعا للعلاج قبل ضبطه، وهو نص يمثل نقلة فكرية مهمة، لأنه يعكس تصورا جديدا للمتعاطي، لا باعتباره مجرما مكتمل الإرادة، بل باعتباره مريضا يحتاج إلى بوابة للخلاص من الإدمان، ويحتاج إلى منظومة علاجية تسبق العقاب. وقد استقر قضاء محكمة التمييز الكويتية على هذا التوجه عندما قررت ـ في أحكامها ذات الصلة بالفحص الإلزامي والعلاج ـ أن الغاية من النصوص العلاجية ليست إلغاء التجريم، بل توفير إطار للتعامل مع المتعاطي بوصفه حالة اجتماعية ـ صحية قابلة للتأهيل، كما في الحكم رقم 697 لسنة 2008 ـ جلسة 16/6/2009 الذي اعتبر وقف التنفيذ مع الإيداع تدبيرا وقائيا مشروعا.

وقد تجلى هذا التحول الوقائي في أوضح صوره في المادة 66 من المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025، التي أعادت تنظيم الفحص الإلزامي والعشوائي على نحو يبرز الدور التشريعي في بناء سياسة صحية–أمنية متكاملة، فجاء النص ليقرر أنه «يجوز بقرار من السلطة المختصة بالتعيين في كل جهة إضافة فحص الكشف عن تعاطي المواد والمستحضرات المخدرة والمؤثرة عقليا دون وصفة طبية، إلى الفحوصات الطبية اللازمة لإتمام إجراءات التعيين في الوظائف العامة». ويكشف هذا المقتضى عن رؤية مغايرة تماما للتشريعات السابقة، لأن المشرع لم يعد يرى في الفحص مجرد إجراء إداري، بل اعتبره شرطا لازما لضمان النزاهة الوظيفية وسلامة المرفق العام، وربط بين المؤهل المهني والسلوك الشخصي بما يحقق حماية المنظومة الوظيفية من مخاطر التعاطي.

ثم وسع النص من نطاق الفحص، إذ أجاز للوزارة المختصة ـ «بعد التنسيق مع الوزارة» بحسب نص المادة ـ إجراء تلك الفحوصات للموظفين لديها على نحو دوري أو عشوائي خلال ساعات العمل الرسمي للتحقق من مدى تعاطيهم لأي من المواد أو المستحضرات المحظورة دون وصفة طبية. وهذا الامتداد التشريعي يعكس فلسفة رقابية جديدة تقوم على المتابعة المستمرة لا على الفحص عند بدء الخدمة فقط، وعلى منع المخاطر قبل وقوعها عبر الكشف المبكر عن السلوك المهدد للسلامة المهنية أو الإنتاجية أو الانضباط الوظيفي.

ولم يقف النص عند حدود العلاقة الوظيفية، بل توسع ليشمل المجالات المرتبطة بصورة مباشرة بالأمن العام، فخول لوزير الداخلية ـ بنص المادة نفسها ـ صلاحية «إضافة الفحوصات اللازمة لمنح رخص السوق بجميع فئاتها، ورخص حيازة الأسلحة والذخائر». ويؤكد هذا التوجه أن المشرع ينظر إلى تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية لا بوصفه خطرا فرديا فقط، بل بوصفه سلوكا يحمل مخاطر مضاعفة متى اقترن بقيادة المركبات أو بحيازة السلاح، مما جعل الفحص الوقائي جزءا من منظومة ضبط المخاطر في المجالين المروري والأمني.

وبذلك يظهر أن المادة 66 لم تكن مجرد نص تنظيمي، بل كانت نقطة انعطاف في السياسة التشريعية، لأنها نقلت الفحص من دائرة الإجراءات الإدارية التقليدية إلى دائرة «العدالة الوقائية» التي تجعل من الكشف المبكر أداة أساسية لحماية المجتمع، وركنا من أركان بناء الثقة في الوظيفة العامة، ووسيلة لمنع السلوك الإجرامي قبل تولده، مما ينسجم مع الفلسفة العامة للمرسوم بقانون الجديد القائمة على الوقاية بقدر العقاب، وعلى الضبط المؤسسي بقدر الردع، وعلى حماية الإنسان والمجتمع معا.

ويتكامل هذا التحول مع الاتجاه القضائي الذي يرى في المتعاطي فاعلا يظل مسؤولا عن إرادته قبل الدخول في حالة الغيبوبة، لكنه لا يعامل باعتباره ذا قصد خاص عند فقدان إدراكه بسبب التعاطي الاختياري. وقد كرست محكمة التمييز هذا التفريق في حكمها الطعن رقم 1295 لسنة 2017 ـ جلسة 16/4/2018، الذي قررت فيه أن فقدان الشعور الناتج عن تناول المخدر بإرادة الجاني لا ينفي مسؤوليته عن الجرائم ذات القصد العام، ولكنه لا يسمح بإسناد قصد خاص يتطلب توافر إرادة مميزة أثناء التنفيذ.

هذه المبادئ مجتمعة تشكل الركيزة الأولى لفلسفة القانون الجديد، الذي لم يعد يرى أن تشديد العقوبة هو وحده الطريق لخنق الظاهرة، بل يرى أن الوقاية والعلاج وإعادة الإدماج عناصر متكاملة في منظومة واحدة تعزز فاعلية الردع، وتحمي المجتمع من التوسع في دائرة الإدمان.

المطلب الثاني

٭ توحيد البنية التشريعية للمخدرات والمؤثرات العقلية ودمج الفلسفة العلمية في النصوص

كانت أكبر مشكلات القانون القديم هي الازدواجية التشريعية بين قانون 74 لسنة 1983 للمخدرات وقانون 48 لسنة 1987 للمؤثرات العقلية، وهو ازدواج أدى إلى اضطراب في المفاهيم، وإلى مشكلات في التكييف القضائي، خاصة في المواد المركبة أو المصنعة التي قد تدرج مرة في أحد القانونين ومرة أخرى في القانون الثاني، دون وجود إطار تشريعي موحد يزيل التعارض ويستوعب التطور السريع للمواد المخدرة.

وقد جاء المرسوم بقانون 159 لسنة 2025 ليزيل هذا الازدواج من جذوره، فوحد المفاهيم لتعريف المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية في مادة واحدة (المادة الأولى)، وجعل معيار التجريم يستند إلى الأثر الكيميائي والنفسي للمادة، لا إلى اسمها التجاري أو شكلها الخارجي، مستفيدا من الاجتهاد القضائي الكويتي الذي رسخ هذا المبدأ في الطعن رقم 317 لسنة 2019 ـ جلسة 3/2/2020 حين قررت المحكمة أن العبرة ليست باسم المادة أو مصدرها بل بصفاتها المؤثرة متى ثبت علم المتهم بطبيعتها المحظورة.

كما تبنى المشرع المعيار العلمي في إثبات طبيعة المادة من خلال الجداول الملحقة بالمرسوم وتفويض وزير الصحة في تحديثها، وهو تفويض قضت المحكمة الدستورية بجوازه في الطعن 8 لسنة 2004 دستوري ـ جلسة 27/6/2004، معتبرة أن التفويض في تحديد المواد يخضع لاعتبارات علمية لا يتسع لها النص الجامد، شريطة أن يكون التجريم أصله قانوني. وقد أكد القضاء الكويتي أهمية الدليل العلمي في إثبات ماهية المادة، فاعتبر ـ في الطعن رقم 139 لسنة 2015 ـ جلسة 12/11/2015 ـ أن عدم بيان النسبة الفعالة للمادة في المستحضرات التي يشترط القانون فيها نسبة معينة يفضي إلى قصور في التسبيب وبطلان الحكم.

وانطلاقا من هذا النهج العلمي، أصبحت بنية التجريم متماسكة في القانون الجديد، لأن المادة المخدرة تعرف وفق أثرها وجوهرها الكيميائي وتركيز العنصر الفعال فيها، دون النظر إلى تسميتها أو استخداماتها التجارية، وهو ما يتفق مع اتفاقية المؤثرات العقلية لعام 1971 ومع توجه التشريعات المقارنة.

هذا التوحيد التشريعي لم يكن مجرد خطوة تقنية، بل كان جزءا من فلسفة تستهدف إيجاد بيئة قانونية متناسقة تمكن القضاء من تطبيق النصوص بسلاسة، وتمكن أجهزة إنفاذ القانون من فهم دائرتها، وتمنع المتهمين من استغلال ثغرات التعريفات المتباينة بين القوانين القديمة.

المطلب الثالث

٭ تطوير البنية العقابية على أساس تصاعد الخطر الاجتماعي المرتبط بجرائم المخدرات

تميز القانون الجديد ببنية عقابية مختلفة جذريا عن البنية القديمة التي اعتمدت أساسا على شدة الجريمة ووزن المادة. فقد تبنى المرسوم بقانون مفهوما جديدا يرتكز على الخطر الاجتماعي الذي تمثله الجريمة، وعلى موقع الفعل في سلسلة التعامل بالمادة المخدرة، وعلى الدور الذي يلعبه الجاني في انتشارها داخل المجتمع.

وقد انعكس هذا المفهوم بوضوح في المادة 42 التي جعلت الجلب والتهريب والإنتاج والصنع والتحضير والزراعة بقصد الاتجار جرائم في قمة الهرم، مع عقوبات تصل إلى الإعدام أو الحبس المؤبد والغرامة التي تصل إلى مليوني دينار أو ما يعادل قيمة المضبوطات. ثم جاءت المادة 43 لتبني ذات الهيكل على أفعال الترويج والمقايضة والتسليم والشراء والنقل بقصد الاتجار، باعتبار أن الخطر لا يكمن فقط في إدخال المادة إلى الدولة، بل في تحريكها بين الأفراد وإدخالها إلى دائرة التداول الاجتماعي.

وقد تبنى القضاء الكويتي هذا المفهوم قبل أن يصبح نصا قانونيا، إذ قررت محكمة التمييز - في الطعن رقم 293 لسنة 2015 ـ جلسة 18/12/2016 ـ أن مجرد نقل المادة المخدرة يكشف عن قصد الاتجار لأنه يسهم في حركة المادة داخل المجتمع، وأن الخطر المرتبط بالنقل لا يقل عن الخطر المرتبط بالحيازة أو البيع. كما أيدت المحكمة ـ في الطعن رقم 371 لسنة 2008 ـ جلسة 21/4/2009 ـ أن التوزيع المجاني للمادة هو صورة من صور الترويج، لأن العبرة ليست بالثمن بل بنشر المادة.

ويظهر أثر الفلسفة الجديدة أيضا في ربط العقوبات بالظروف المشددة، كما في المادة 44 التي تجعل الإعدام وجوبيا في حالات استخدام الحدث، أو ارتكاب الجريمة في المدارس أو السجون أو دور العبادة، أو استغلال الوظيفة العامة، أو الانتماء إلى تنظيم عصابي، وهي كلها ظروف تستند إلى معيار الخطر الاجتماعي لا إلى معيار الكمية.

وهكذا تحولت البنية العقابية من هيكل جامد إلى منظومة هرمية ديناميكية تعكس مفهوم الخطر الاجتماعي ودور الجاني في نشر المادة، وهو تحول يتسق مع توجهات التشريعات المقارنة، وخاصة التشريع الفرنسي.

المطلب الرابع

٭ التطوير الإجرائي وتقنين الضمانات في التعامل مع الأدلة والعينات

لم يكن تطوير البنية الإجرائية مجرد مكمل للبنية العقابية، بل كان ضرورة لحماية الحق في الحرية والخصوصية وضمان شرعية الدليل في ضوء التطورات التقنية والانتقادات التي وجهتها محكمة التمييز إلى القوانين السابقة في مسائل التحريز، وسلسلة العهدة، والتحليل، وإذن التفتيش، والاختصاص المكاني.

وقد استحدث المشرع نصوصا دقيقة لضبط التحريز والفحص، من بينها ما ورد في المواد المتعلقة بسلسلة العهدة، وما ورد في المادة المتعلقة بالسجلات الإلكترونية عند التعامل المشروع بالمؤثرات العقلية. كما تبنى القانون الجديد مفهوم الدليل الفني كأساس لا غنى عنه في تجريم المادة، وهو ما يستند إلى ما رسخته محكمة التمييز في الطعن رقم 300 لسنة 2002 ـ جلسة 27/5/2003 من أن الكشف عن طبيعة المادة لا يصلح فيه غير التحليل، وأن أي حكم يخلو من هذا الدليل يكون قاصرا.

وفي قضايا التعاطي، رسخت محكمة التمييز قاعدة أن وجود المادة في دم المتهم هو دليل قطعي على التعاطي كما في الطعن رقم 592 لسنة 2012 ـ جلسة 25/3/2013، ولكنها أكدت في الوقت نفسه ـ في الطعن رقم 266 لسنة 1996 ـ جلسة 2/6/1997 ـ أن وجود آثار المادة لا يعني بالضرورة وقوع التعاطي داخل الكويت إلا إذا قامت قرائن إضافية.

هذا التأسيس القضائي دفع المشرع إلى إعادة بناء الإجراءات المتعلقة بالفحص الإلزامي والعشوائي وضمانات المتهم، وإلى إدخال مفهوم الفحص الوقائي الذي يهدف إلى حماية المجتمع لا إلى تعقب الجريمة.

المطلب الخامس

٭ فلسفة الحماية المؤسسية: المجلس الأعلى وتنظيم الفحص والعلاج والإيداع

من أبرز مظاهر الفلسفة التشريعية الجديدة إنشاء المجلس الأعلى لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو إطار مؤسسي يتجاوز فكرة المواجهة الأمنية إلى بناء إستراتيجية وطنية شاملة تتوزع فيها الأدوار بين وزارات الصحة والداخلية والتربية والشؤون الاجتماعية والعدل والإعلام. وقد جاء هذا التوجه استجابة لواقع كشف أن الظاهرة أكبر من أن تواجهها جهة واحدة، وأن نجاح المواجهة يتطلب توحيد السياسات ووضع نظام مركزي للمراقبة والتقييم.

كما ظهرت الفلسفة المؤسسية في تنظيم الإيداع والعلاج، حيث لم يعد العلاج مجرد خيار ثانوي، بل أصبح جزءا من البنية القانونية من خلال المواد المتعلقة بالإيداع، والفحص، وحماية سرية البيانات الطبية، وهو ما يعكس تطورا في الفهم التشريعي يجعل من المدمن حالة يجب التعامل معها بمزيج من الرعاية والرقابة، تحقيقا لمفهوم العدالة الوقائية.

المطلب السادس

٭ مدى أخذ المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 بنظرية شبكة الأدلة في جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية

يعد تبني المرسوم بقانون لسنة 2025 لفكرة شبكة الأدلة أحد التحولات البنيوية العميقة في السياسة الجنائية الكويتية، لأنها تمثل انتقالا من منهج الإثبات القائم على الدليل الواحد المادي المحض إلى منهج تكاملي يقوم على تفاعل الأدلة وتساندها في ضوء منطق الواقعة الإجرامية وطبيعتها. وجرائم المخدرات بطبيعتها الخفية وارتباطها بالسلوك السري وشبكات النقل والتسليم والترويج لا يمكن كشفها وإثباتها غالبا من خلال دليل واحد، بل تحتاج إلى منظومة أدلة يجتمع فيها الفني بالسلوكي، والظرفي بالأمني، والعلمي بالإقراري، بحيث تشكل الأدلة مجتمعة صورة كاملة وقابلة للاعتماد القضائي. وقد أخذ المرسوم بقانون بهذه الحقيقة بصورة واضحة من خلال النصوص التي كرست مركزية التقرير الفني من ناحية، ومن خلال النصوص التي منحت القاضي سلطة واسعة في استنباط القصد الجنائي وقصد الاتجار من القرائن والمظاهر والملابسات ذات الدلالة، دون أن يلتزم بدليل وحيد أو اعتراف مباشر.

ومفهوم شبكة الأدلة لم يرد في المرسوم بقانون كاصطلاح حرفي، ولكنه تجسد بوضوح في بنيته الإجرائية، خصوصا في المواد 41 وما بعدها، وفي فلسفة التعاريف الواردة في المادة الأولى، وفي التنظيم المتعلق بالحيازة والحيازة بالواسطة، وفي معالجة القصد الجنائي والقصد الخاص. فالقانون اعتمد فكرة أن الدليل الفني، وإن كان أساسا لا غنى عنه لإثبات ماهية المادة، إلا أن القصد الجنائي لا يستخلص من هذا الدليل وحده، بل من مجمل الوقائع الدالة على إرادة الجاني. وهو ما يعكس فهما تشريعيا لنظرية شبكة الأدلة بوصفها منهجا إثباتيا يقوم على أن الأدلة ليست وحدات منفصلة، بل حلقات متداخلة لا قيمة لأي منها بمعزل عن الأخرى.

وقد رسخت محكمة التمييز الكويتية هذا المفهوم قبل صدور القانون الجديد بسنوات، حين قررت في طعونها الجزائية أن العبرة ليست بالدليل المنفرد، بل «بحلقة اتصال الأدلة وتساندها بما يكون عقيدة القاضي». وفي الطعن رقم 293 لسنة 2015 ـ جلسة 18/12/2016، بينت المحكمة أن قصد الاتجار يستخلص من الكمية وطريقة الإخفاء وتعدد اللفافات وتكرار السلوك، وأن هذه العناصر ليست أدلة مستقلة، وإنما حلقات متصلة تشكل بمجموعها دلالة واضحة على الغرض من الحيازة. وفي الطعن رقم 988 لسنة 2017 ـ جلسة 11/10/2017، أكدت المحكمة أن العلم والسيطرة يمكن استنتاجهما من وضع المادة في مكان لا يدخله إلا المتهم ومن امتلاكه مفاتيح المكان ومن طريقته في إخفاء المادة، وهي كلها قرائن لا تنهض وحدها لكنها تنهض مجتمعة ضمن شبكة الأدلة.

ويلاحظ في المرسوم بقانون أن المشرع لم يعد ينظر إلى الحيازة بوصفها واقعة مادية بسيطة، بل بوصفها دائرة متعددة الطبقات تشمل الحيازة الفعلية والحيازة الحكمية والحيازة بالواسطة، وأن إثبات أي منها لا يتم عبر دليل واحد، بل عبر شبكة أدلة تتكامل فيها الظروف مع المظاهر الخارجية ومع الاعترافات الجزئية ومع مسلك المتهم أثناء الضبط وبعده. ومن هنا جاء تعريف الحيازة في المادة الأولى تعريفا موسعا يجعلها حالة قانونية مركبة، يفتح فيها المشرع المجال واسعا أمام القضاء لاستنباطها من أي قرينة ذات دلالة، ما دام ذلك يجتمع مع بقية الأدلة ليكون الصورة الكاملة.

في المقابل، يظهر أثر نظرية شبكة الأدلة في تنظيم الفحص الطبي الإلزامي والعشوائي في المادة 66، حيث لم يجعل المشرع نتيجة التحليل وحدها دليلا قاطعا على وقوع جريمة التعاطي، بل جعلها جزءا من منظومة إثباتية قد تشمل الاعتراف والسلوك والظروف المحيطة ونتائج الفحص السابقة، مع تأكيد المحكمة كما في الطعن رقم 592 لسنة 2012 ـ جلسة 25/3/2013 ـ أن وجود المادة في دم المتهم قرينة قاطعة على التعاطي، لكنها لا تكفي وحدها لإسناد الجريمة إلى إقليم الكويت دون قرائن إضافية، وهو تطبيق مباشر لنظرية تساند الأدلة.

ويظهر التبني التشريعي لهذه النظرية أيضا في تعريف الترويج والمقايضة والشراء والنقل والتسليم في المادة 42، حيث تنصرف إرادة المشرع إلى جعل هذه الأفعال حلقات في سلسلة إجرامية واحدة، وأن إثبات أي منها لا يتطلب ضبط فعل البيع ذاته، بل يكفي إثبات تحريك المادة أو نقلها أو إتاحتها، استنادا إلى مجموعة من القرائن المتساندة التي تكشف عن حقيقة السلوك. وهذا بالضبط ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في أحكامها المتعلقة بالترويج المجاني والتحريك داخل الإقليم، وما استند إليه المشرع الكويتي في صياغة المرسوم الجديد.

ولذلك، يمكن القول إن المرسوم بقانون لسنة 2025 قد أخذ بنظرية شبكة الأدلة بصورة جوهرية، ليس عبر النص عليها صراحة، بل عبر تصميم بنيته القانونية بطريقة تجعل من الأدلة المتساندة منهجا أصيلا للإثبات، وبطريقة تمكن القاضي من بناء عقيدته على تكامل المظاهر والقرائن والعناصر الفنية. وقد جاء ذلك منسجما مع ما استقر عليه القضاء الكويتي عبر أربعة عقود، والذي شكل في حقيقة الأمر الأساس التفسيري الذي استقى منه المشرع فلسفته التشريعية الحديثة.

المطلب السابع

٭ محاصرة المرسوم بقانون لاستخدام التكنولوجيا الحديثة في الاتجار والترويج والتعامل غير المشروع بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية

شكّلت التكنولوجيا الحديثة أحد المحاور المتصاعدة في تطور الجريمة المعاصرة، لاسيما في مجال المخدرات والمؤثرات العقلية، حيث انتقلت شبكات الاتجار من الأساليب التقليدية القائمة على المبادلة المباشرة والاتصال الشخصي، إلى نمط رقمي متشعب يعتمد على المنصات الإلكترونية المشفرة، وتطبيقات التواصل الفوري، والشراء عبر الإنترنت، والدفع الإلكتروني، والتسليم عبر وسطاء غير مدركين لطبيعة ما ينقلونه. وقد أدرك المشرع الكويتي خطورة هذه النقلة مبكرا عند صياغة المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025، فحرص على إنشاء بنية تجريمية تتعامل مع «السلوك الرقمي» بوصفه حلقة كاملة من حلقات الاتجار، ومظهرا مستقلا من مظاهر النشاط الإجرامي، لا يقل خطورة عن الجلب أو النقل أو التسليم المادي. ولذلك أصبح واضحا أن المرسوم بقانون قد أحاط التعامل التكنولوجي بجدار تشريعي محكم، بحيث أصبحت وسائل التواصل الحديثة جزءا من نطاق التجريم، لا مجرد أداة عارضة للسلوك.

وقد ترجم المشرع هذا الإدراك في صياغة المادة 42 التي ساوت بين الشراء التقليدي والشراء عبر الوسائط الإلكترونية، وبين النقل المادي والنقل الذي يتم عبر «تحريك المادة» في مسار رقمي يؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين الغير منها. وتظهر دلالة ذلك بوضوح في النص القاضي بمعاقبة «من اشترى أو هرب أو وزع أو سلم أو تداول بأي وسيلة»، حيث جاءت عبارة «بأي وسيلة» صياغة مقصودة لاستيعاب الأفعال الرقمية كافة، بما فيها الاتفاق عبر التطبيقات المشفرة، والتواصل عبر المنصات، واستخدام المحافظ الإلكترونية، وإدارة مجموعات رقمية للترويج، بل وحتى نشر الرموز أو المواقع التي تؤدي إلى الحصول على المادة. وقد ذهب القضاء الكويتي قبل صدور المرسوم إلى اتجاه مشابه عندما قضت محكمة التمييز في الطعن رقم 645 لسنة 2015 ـ جلسة 26/9/2016، بأن معيار الاتجار لا يقوم على شكل الوسيلة، بل على «تحريك المادة داخل المجتمع»، وأن الوسائل الإلكترونية لا تختلف قانونا عن الوسائل التقليدية ما دامت تسهم في نشر المادة المحظورة.

ولم يقتصر المشرع على إدخال التكنولوجيا ضمن نطاق الأفعال المادية، بل امتد إلى معالجة «الأفعال التحضيرية الرقمية» التي أصبحت في عالم التقنية أكثر خطورة من الفعل المادي ذاته، كما في إنشاء مجموعات مغلقة لعرض المواد، أو حفظ سجلات للزبائن، أو تجزئة عمليات الدفع الإلكتروني، أو استخدام برامج إخفاء الهوية. ولهذا جاءت بنية القانون مرنة بما يكفي لاعتبار هذه الأفعال مقدمات اتجارية متى عبرت عن إرادة واضحة لنشر المادة وإدخالها في التداول. وقد دعم القضاء هذا الاتجاه في حكم التمييز رقم 894 لسنة 2017 ـ جلسة 26/3/2018، الذي قرر أن العبرة في الاتجار ليست بنوع الوسيلة وإنما بقدرتها على تسهيل الوصول إلى المادة، وأن النشاط المعلوماتي أو التواصلي إذا كان موجها لإتاحة المادة فهو اتجار بالمعنى القانوني.

كما عالج المرسوم بقانون مسألة «التقنية المموهة» التي تعتمدها الشبكات الإجرامية في الكويت والمنطقة، مثل استخدام السائقين غير المدركين لطبيعة ما ينقلونه، أو الاعتماد على ما يسمى «النقاط الميتة» التي يوضع فيها المخدر ليقوم شخص آخر بالتقاطه دون لقاء مباشر. وقد ساوى القانون بين هذا التسليم غير المباشر والتسليم التقليدي، وهو ما سبق أن أكدت عليه محكمة التمييز في الطعن رقم 706 لسنة 2012 ـ جلسة 8/7/2012، عندما اعتبرت أن وضع المادة في مكان متفق عليه ليقوم الغير باستلامها يشكل تسليما مكتملا، ولو لم يلتق الطرفان، لأن جوهر الجريمة هو انتقال السيطرة.

وتمتد محاصرة التكنولوجيا إلى الجانب الوقائي أيضا من خلال نظام الفحص الإلزامي والعشوائي المنصوص عليه في المادة 66، الذي يشكل في جوهره منظومة معلوماتية حديثة تعتمد على الربط بين الجهات الرسمية وعلى بناء قواعد بيانات للعاملين في القطاعات الحساسة. ويعد هذا الربط عنصرا أساسيا في مكافحة «التعاطي الرقمي» الذي أصبح يتخذ أشكالا متخفية لا يمكن كشفها إلا عبر فحص دوري يربط السلوك الفردي بسلامة الوظيفة العامة. ويشكل هذا النظام جزءا من سياسة حماية الأمن المهني التي استندت إليها وزارات الدولة عند تطبيق الفحص على السائقين وطالبي رخص السلاح والموظفين العموميين، وفق ما قرره نص المادة.

وقد أخذ القانون كذلك بمبدأ تتبع العائد الإجرامي الرقمي عبر النصوص المتعلقة بالمصادرة وتتبع الأموال، إذ لم يعد الاتجار نشاطا يدور في نطاق مادي، بل أصبح يعتمد على تحويلات مالية تتم عبر تطبيقات حديثة. ومن هنا جاء التشديد في المواد العقابية الخاصة بالمصادرة، بحيث يشمل «جميع الأموال المتحصلة من الجريمة بأي صورة كانت»، وهو ما يتيح للنيابة العامة تتبع العائد الرقمي باعتباره دليلا قائما بذاته ضمن شبكة الأدلة التي تكشف عن الاتجار.

ويمكن القول إن المرسوم بقانون قد أحكم إغلاق الفجوة التي كانت قائمة في القانون السابق بين الجريمة المادية والجريمة الرقمية، عبر توسيع نطاق الأفعال، واعتماد معيار «نشر المادة» بدلا من «وسيلة النشر»، وإسناد تفسير هذا المعيار إلى القضاء وفق شبكة الأدلة. ويمثل ذلك استجابة تشريعية واعية للتطور العالمي في أنماط الجريمة، وضمانة لعدم إفلات الاتجار الإلكتروني من العقاب، وتأصيلا لمنهج وقائي يحاصر التكنولوجيا دون أن يحد من مشروعيتها في الاستخدام العام.

خاتمة المبحث الأول

يبين هذا المبحث أن المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 لم يكن مجرد إعادة صياغة لنصوص قانونية، بل كان إعادة بناء جذريا للبنية التشريعية والفكرية التي تحكم جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية في الكويت. فقد أرسى القانون فلسفة جديدة تتكامل فيها الوقاية والعلاج والعقاب، وتتأسس على العلم والدليل الفني، وتستفيد من الاجتهاد القضائي، وتدخل المنظومة المؤسسية في قلب المواجهة. وتنعكس هذه الفلسفة في بنية التجريم والعقاب، وفي الإجراءات، وفي السياسة الجنائية بأكملها، مما يجعل هذا القانون خطوة تشريعية نوعية في تاريخ الكويت القانوني.

المبحث الثاني

البنية التجريمية والعقابية في المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025: إعادة تنظيم صور الجريمة وتشديد منظومة العقوبات في مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

تمهيد المبحث

يجسد الباب التاسع من المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، والممتد من المادة 42 حتى المادة 60، البنية العقابية الجديدة التي أراد المشرع من خلالها إعادة ترتيب جرائم المخدرات على نحو يعكس خطورتها الواقعية وتركيبها التنظيمي واتصالها بالشبكات الإجرامية، بحيث لم يعد التجريم مجرد تعداد منفصل للأفعال، بل أصبح منظومة متكاملة تبدأ بأخطر الأفعال في قمة الهرم، وهي الجلب والتهريب والإنتاج والصنع والتحضير بقصد الاتجار، ثم تتدرج نزولا إلى صور الاتجار الداخلية المتمثلة في الحيازة بقصد الاتجار، والبيع والشراء والتسليم والنقل والترويج، ثم الحيازة بقصد التعاطي والاستعمال الشخصي، ثم الحيازة المجردة والتعامل غير المشروع الذي لا يثبت له قصد خاص، إلى أن تصل المنظومة في قاعدتها إلى الجرائم المكملة والظروف المشددة والجرائم المرتكبة تحت تأثير المخدر كما ظهرت في المواد من 52 الى 60.

هذه البنية لم تظهر في فراغ، وإنما بنيت على خلفية قضائية ثرية رسختها أحكام محكمة التمييز الكويتية، التي أوضحت في عدد كبير من الطعون ـ من بينها الطعن رقم 300 لسنة 2002 جزائي ـ جلسة 27/5/2003، والطعن رقم 293 لسنة 2015 ـ جلسة 18/12/2016، والطعن رقم 894 لسنة 2017 ـ جلسة 26/3/2018 ـ أن التكييف الصحيح لجرائم المخدرات يستلزم فهم طبيعة السلوك وموقعه من دورة التعامل غير المشروع بالمادة، لا الاقتصار على الوصف الشكلي للفعل أو على الكمية وحدها.

ومن أجل الإحاطة بأهم ملامح هذه البنية الجنائية، يتناول هذا المبحث خمس زوايا رئيسية: أولاها جريمة الجلب والتهريب والإنتاج كما صاغتها المادة 42 في قمة الهرم، وثانيتها توسيع نطاق الاتجار الداخلي وفق المادة 43 وما يرتبط بها من تجريم الشراء والمقايضة والتسليم، وثالثتها التفريق بين الاتجار والتعاطي والحيازة المجردة كما نظمته المواد 48 و49، ورابعتها إعادة صياغة الظروف المشددة وأثر المادة 44 في تحويل بعض الوقائع إلى عقوبة الإعدام وجوبا أو جوازا، وخامستها تجريم التنظيم العصابي في المادة 45 وربطه ببقية النصوص بما يكشف عن فلسفة جديدة تجرم البنية الإجرامية ذاتها قبل أن تكتمل الجريمة الأصلية.

المطلب الأول

٭ جريمة الجلب والتهريب والإنتاج في قمة هرم التجريم وفق المادة 42

وضع المشرع الكويتي في المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 جريمة الجلب والتهريب والإنتاج والصنع والتحضير في قمة هرم الجرائم، فنصت المادة 42 صراحة على أن: «يعاقب بالإعدام أو الحبس المؤبد وبغرامة لا تقل عن مائة ألف دينار ولا تجاوز مليوني دينار، أو ما يعادل إجمالي قيمة المواد أو المستحضرات أو النباتات المخدرة أو المؤثرة عقليا محل الجريمة أيهما أعلى، كل من جلب أو هرب أو أنتج أو صنع أو حضر مواد أو مستحضرات مخدرة أو مؤثرة عقليا بقصد الاتجار أو الشروع في ذلك بأي وسيلة، وذلك في غير الأحوال المرخص بها قانونا».

هذا النص يعبر عن فلسفة تشريعية واضحة مؤداها أن أخطر الأفعال ليست الحيازة النهائية أو التعاطي، وإنما الأفعال التي تنشئ وجود المادة المحظورة أو تدخلها إلى إقليم الدولة، أي الجلب والتهريب والإنتاج. فالجاني الذي يقوم بإحضار كمية من المخدرات من خارج الكويت إلى داخلها، أو الذي يهيئ معملا لتصنيع مادة مخدرة تخليقية، أو الذي يهرب المخدر إلى خارج الدولة عبر الموانئ أو المطارات، هو في نظر المشرع في قمة الخطورة، لأن فعله يفتح الباب أمام انتشار المادة في السوق غير المشروع وعلى امتداد النسيج الاجتماعي.

وقد سبق لمحكمة التمييز الكويتية أن رسخت هذا المعنى عند تفسيرها لجريمة الاستيراد والجلب في ظل قانون 74 لسنة 1983، حيث قررت في الطعن رقم 314 لسنة 1989 جزائي ـ جلسة 19/2/1990 أن جريمة استيراد المخدر تتحقق بمجرد إدخال المخدر إلى إقليم الدولة بأي وسيلة وعلى خلاف الأحكام المنظمة لذلك، وأن من يضطلع بأي دور في سلسلة الجلب، ولو لم يمسك المادة بيده، يعد فاعلا أصليا متى كان دوره جزءا من الخطة الإجرامية. هذا المبدأ أعاد المشرع تكريسه بشكل أوسع في المادة 42 عندما جمع بين الجلب والتهريب والإنتاج والصنع والتحضير في نص واحد، وألحق بها الشروع، بما يقطع بأن مجرد بدء العملية في اتجاه إدخال أو تصنيع المادة بقصد الاتجار يكفي لقيام الجريمة ولو لم تكتمل الخطوات النهائية.

كما أن التوسع في مدلول «الإنتاج» و«الصنع» و«التحضير» في المادة 42 يستجيب لاجتهادات التمييز في شأن زراعة القنب الهندي وإنتاج المخدرات التخليقية، إذ قضت المحكمة في الطعن رقم 377 لسنة 2011 ـ جلسة 27/5/2012 بأن زراعة نبات القنب الهندي في أي طور من أطوار نموه، ولو كان مجرد بذور، تعد جريمة كاملة إذا اقترنت بقصد الاتجار، وقد بينت أن العبرة ليست بالشكل النباتي وإنما بحقيقة الخطر الذي يمثله النبات كمصدر للمادة المخدرة.

ولم يكتف المشرع بتقرير عقوبة سالبة للحرية، بل جعل الغرامة في المادة 42 مرتبطة إما بسقف مالي عال، أو بما يعادل قيمة المواد المضبوطة أيهما أعلى، إدراكا منه أن الجلب والتهريب والإنتاج جرائم اقتصادية ذات مردود مالي كبير، وأن العقوبة المالية يجب أن تكون ذات أثر فعلي في تجفيف المكاسب غير المشروعة، لا مجرد غرامة رمزية.

وعلى هذا النحو يكون النص في المادة 42 قد أعاد تشكيل مركز الجلب والتهريب والإنتاج باعتبارها الأفعال المؤسسة لمنظومة الجريمة، وأعاد صياغة العلاقة بين الفاعل المادي والفاعل المعنوي والشريك بحيث لم يعد هناك مجال لتخفيف المسؤولية لمجرد أن دور المتهم اقتصر على تمويل العملية أو تجهيز وسائل النقل أو إعداد المعمل، ما دام فعله يدخل في إطار «من جلب أو هرب أو أنتج أو صنع أو حضر» بالمعنى الواسع الذي قرره النص.

المطلب الثاني

٭ نطاق الاتجار الداخلي وفق المادة 43 وتجريم الشراء والمقايضة والتسليم والترويج

إذا كانت المادة 42 قد وضعت في قمة الهرم جريمة الجلب والتهريب والإنتاج والصنع والتحضير، فإن المادة 43 تمثل المستوى التالي من مستويات التجريم، حيث تناولت صور الاتجار الداخلي وحيازة المادة بقصد التصرف فيها للغير. وتنص هذه المادة ـ في جوهرها ـ على أن يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت وبغرامة كبيرة كل من حاز أو أحرز أو اشترى أو باع أو سلم أو نقل أو روج أو قايض بمواد أو مستحضرات مخدرة أو مؤثرة عقليا بقصد الاتجار، وذلك في غير الأحوال المرخص بها قانونا.

هذه الصياغة تكشف عن تبني المشرع لمفهوم واسع للاتجار يجاوز فكرة البيع مقابل ثمن، ويشمل كل صور «التعامل» التي تهدف إلى إدخال المادة في دائرة التداول بين الأفراد. فالشراء لم يعد فعلا محايدا كما كان يظن في بعض التطبيقات، بل أصبح صورة من صور الاتجار متى كان القصد من ورائه إعادة البيع أو التوزيع، وهو ما ينسجم مع ما قررته محكمة التمييز في الطعن رقم 293 لسنة 2015 – جلسة 18/12/2015 حين اعتبرت أن اتفاق المتهم على شراء كمية من المواد المخدرة من أجل إعادة بيعها للغير يدخل في نطاق نشاط الاتجار، حتى لو لم يتم التسليم الفعلي للمادة، لأن العبرة في قيام الجريمة باتجاه الإرادة وببدء التنفيذ في إطار مشروع تجاري غير مشروع.

كما أن إدراج المقايضة في المادة 43 يعكس استجابة المشرع للتطور العملي في طرق الاتجار، حيث أصبح تبادل المخدرات مقابل خدمات أو منافع أو أصول أو حتى وعود غير نقدية من صور الواقع المعاشة، وقد سبقت محكمة التمييز إلى الإشارة إلى ذلك في الطعن رقم 139 لسنة 2015 ـ جلسة 12/11/2015 عندما اعتبرت أن تبادل المخدر مقابل منفعة عمل أو خدمة يعد اتجارا كاملا، وأن مقابل الاتجار لا يشترط أن يكون ثمنا نقديا.

أما التسليم والنقل والترويج فقد جاء ذكرها في المادة 43 ليدل على أن المشرع يعد كل حلقة من حلقات الحركة المادية للمخدر داخل الإقليم جزءا من الاتجار، سواء تم ذلك ببيع مباشر أو بمجرد إتاحة المادة للغير. وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في الطعن رقم 645 لسنة 2015 ـ جلسة 26/9/2016 عندما قررت أن نقل المخدرات عبر المركبة بين مناطق مختلفة، وبطريقة تدل على التنظيم، يكفي لاعتبار المتهم شريكا في الاتجار ولو لم يثبت أنه هو الذي أبرم صفقة البيع، لأن الاتجار ـ وفق المفهوم الذي استقر عليه القضاء ـ هو سلسلة أفعال متكاملة.

ومن أبرز مظاهر الانفتاح في المادة 43 إدراج «الترويج» كصورة مستقلة، وهو ما أحيل تعريفه إلى المادة الأولى التي عرفت الترويج بأنه نشر أو توزيع المواد أو المستحضرات المخدرة أو المؤثرة عقليا بغير مقابل على شخصين أو أكثر بقصد التعاطي. هذا التعريف ينقل الترويج من حقل البيع إلى حقل «إتاحة المادة للغير»، ويقطع بأن التوزيع المجاني لا يقل خطرا عن البيع بقيمة، وهو ما تلاقى مع ما قررته محكمة التمييز في الطعن رقم 371 لسنة 2008 ـ جلسة 21/4/2009 من أن تقديم المخدر للغير بغير مقابل يعد ترويجا كاملا، لأن جوهر الخطر في جرائم المخدرات ليس في العائد المالي بل في نشر المادة بين الأفراد.

وعلى هذا النحو تكون المادة 43 قد جمعت تحت وصف الاتجار الداخلي كل صور التعامل غير المشروع التي تدور حول الحيازة بقصد التصرف للغير، ونقلت مفهوم الاتجار من البعد التجاري البحت إلى البعد الاجتماعي، فبات الاتجار هو كل نشاط يهدف إلى «تعميم المخدر» في المجتمع، أيا كانت آلية التبادل.

المطلب الثالث

٭ التفرقة بين الاتجار والتعاطي والحيازة المجردة في المواد 48 و49

أحد أهم عناصر التجديد في المرسوم بقانون 2025 أنه لم يترك مسألة التمييز بين الاتجار والتعاطي والحيازة المجردة للتقدير القضائي المجرد وحده، بل أسس لها إطارا تشريعيا من خلال مواد متمايزة، أبرزها المادة 48 التي تعالج الحيازة المجردة أو التعامل غير المرخص دون توافر قصد الاتجار أو التعاطي، والمادة 49 التي تتناول الحيازة والتعامل بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي، والمادة 43 كما سلف التي تعالج الحيازة بقصد الاتجار.

تنص المادة 48 على أن يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز عشر سنوات وبغرامة لا تتجاوز عشرة آلاف دينار كل من حاز أو جلب أو هرب أو اشترى أو أنتج أو صنع أو استخرج المواد أو المستحضرات المخدرة أو المؤثرة عقليا، أو زرع نباتا من النباتات المبينة في الجدول رقم 5 من المجموعة الأولى المرفقة، في غير الأحوال المرخص بها قانونا ودون توافر أي من المقاصد المنصوص عليها في هذا المرسوم بقانون. فهذه المادة تؤسس لطائفة من الجرائم التي لا يثبت فيها قصد الاتجار ولا قصد التعاطي، ولكنها مع ذلك تكشف عن حيازة أو تعامل غير مشروع، مما يجعل العقوبة فيها في منزلة وسطى بين الاتجار والتعاطي، بحيث لا تساوى بالتاجر ولكنها لا تعامل أيضا معاملة المتعاطي الذي قد يستحق تدابير علاجية.

أما المادة 49 فقد خصصت للحيازة والتناول والاستعمال بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي، فنصت على عقوبات أخف من عقوبات الاتجار لكنها ليست رمزية، مع تشديد خاص إذا وقع التعاطي في أماكن محمية كالسجون ومراكز الشرطة ومراكز علاج الإدمان ودور العبادة والأماكن المخصصة للتعليم والأندية الرياضية. وقد أتاح المشرع، في موضع آخر من القانون، وتحديدا في المادة 61، إعفاء من الملاحقة لمن يبادر إلى العلاج قبل الضبط، وهو ما يؤكد أن فلسفة التجريم في هذا المستوى تتجه إلى التوازن بين الردع والعلاج.

لقد عالجت محكمة التمييز التفرقة بين الاتجار والتعاطي بشكل مبكر في عدد من أحكامها، وقررت في الطعن رقم 894 لسنة 2017 ـ جلسة 26/3/2018 أن قصد الاتجار أو الاستعمال الشخصي مسألة موضوعية تستخلصها محكمة الموضوع من ظروف الدعوى والأدلة المطروحة، وأن الكمية وحدها لا تكفي، بل يجب النظر إلى طريقة التغليف، ووجود أدوات الوزن، وسابقة التعامل، ووجود أدوات التعاطي من عدمه. كما قررت في الطعن رقم 185 لسنة 2016 ـ جلسة 20/11/2017 أن عدم وجود أدوات للتعاطي مع حيازة كمية كبيرة ووجود أدوات وزن وتغليف يعد قرينة قوية على قصد الاتجار.

وقد التقط المشرع هذه المعايير واستوعبها في البناء التشريعي الجديد، فجعل الاتجار في المادة 43 والتعاطي في المادة 49 والحيازة المجردة في المادة 48، وربط بين هذه المواد بما يسمح للمحكمة بتطبيق القاعدة المناسبة في ضوء ما يستقر لديها من قناعة بشأن الغرض. والميزة هنا أن النصوص لم تعد تخلط بين هذه الصور، بل أصبحت تعطي للقاضي إطارا تشريعيا يسمح له بالتفريق بين من يحوز المخدر ليبيعه، ومن يحوزه ليستهلكه، ومن يحوزه دون غرض محدد، مع اختلاف متناسب في مستوى العقوبة.

المطلب الرابع

٭ إعادة صياغة الظروف المشددة في المادة 44 وأثرها على البناء العقابي

جاءت المادة 44 لتشكل حلقة الوصل بين الجرائم الأصلية ومفهوم الخطورة المشددة، حيث نصت على أن تشدد العقوبات المنصوص عليها في المادتين 42 و43 إلى الإعدام أو الحبس المؤبد في حالات معينة، مثل العود في جرائم المخدرات، أو ارتكاب الجريمة من موظف عام استغلالا لوظيفته أو صفته، أو ارتكاب الجريمة في السجون أو مراكز علاج الإدمان أو دور العبادة أو المدارس أو الأندية الرياضية أو الأماكن التي تتمتع بحماية خاصة، أو استغلال حدث أو شخص يعاني من عاهة في العقل أو ضعف في الإرادة أو الإدراك في ارتكاب الجريمة أو تسهيل ارتكابها.

إن هذه الظروف المشددة لم تصغ بوصفها مجرد قائمة مغلقة، بل بوصفها تعبيرا عن رؤية تشريعية ترى أن الجريمة لا تقاس فقط بالمادة والكمية، بل أيضا بالمسرح الذي تقع فيه، وبالشخص الذي تستهدفه، وبالصفة التي يتمتع بها مرتكبها. فالموظف العام الذي يستغل وظيفته في إدخال المخدر إلى السجن أو مراكز الشرطة يقترف جريمة مضاعفة، لأنه لا يخرق القانون فحسب، بل يخون الثقة العامة. والمجرم الذي يستغل حدثا أو مريضا عقليا يدخل في دائرة خطورة خاصة، لأنه يمس الفئات الأضعف في المجتمع، وهو ما يستوجب تشديدا نوعيا.

وقد سبق لمحكمة التمييز أن عكست هذه الفلسفة في عدد من أحكامها، ففي الطعن رقم 501 لسنة 2015 ـ جلسة 9/3/2016 اعتبرت أن ارتكاب جريمة المخدرات داخل السجون أو المدارس أو دور العبادة قرينة على خطورة مضاعفة، وأن هذه الأماكن تحظى بحماية خاصة، وأن وجود المخدر فيها يهدم الغاية من وجودها كمؤسسات للإصلاح أو التعليم أو العبادة. كما قررت في الطعن رقم 243 لسنة 2016 ـ جلسة 14/11/2016 أن استخدام الحدث في جريمة المخدرات يعد ظرفا مشددا مستقلا، لأن المشرع يهدف إلى حماية الأحداث من الاستغلال والتجنيد في الشبكات الإجرامية.

إن المادة 44 بذلك تربط بين الجرائم الأصلية وبين عدد من العوامل الخارجية التي تكشف عن مستوى خطر أعلى، وتمنح القاضي سلطة ـ بل أحيانا واجبا ـ في رفع العقوبة إلى حدها الأقصى عندما تتوافر هذه الظروف، إدراكا منه أن الجريمة في هذه الحالات تعبر عن انحراف مضاعف يستوجب ردة فعل عقابية مضاعفة.

المطلب الخامس

٭ جريمة التنظيم العصابي في المادة 45 ومسؤولية الشبكات الإجرامية

أحد أهم ملامح التجديد في المنظومة العقابية الجديدة هو النص في المادة 45 على تجريم إنشاء أو إدارة تنظيم عصابي لارتكاب جرائم المخدرات، أو الانضمام إليه، ولو لم تسفر هذه التنظيمات بعد عن ارتكاب الجريمة الأصلية. فقد نصت المادة المشار إليها على أن يعاقب بالإعدام أو الحبس المؤبد وبغرامة لا تقل عن مائة ألف دينار ولا تجاوز مليوني دينار كل من أنشأ أو أدار تنظيما عصابيا يكون من بين أغراضه ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم بقانون، كما نصت على عقوبات أدنى لمن انضم إلى التنظيم أو ساعده أو موله أو سهل له الأعمال، دون أن يصل دوره إلى حد الإدارة أو الإنشاء.

هذا النص يمثل انتقالا من تجريم الفعل الفردي إلى تجريم البنية الإجرامية ذاتها، فالمشرع لم يعد ينتظر وقوع الجلب أو الاتجار أو الترويج حتى يتدخل، بل أصبح يستهدف «الكيان العصابي» نفسه، باعتباره مصدر الخطر الحقيقي، لأن الجرائم في كثير من الأحيان ترتكب من خلال شبكة يكون لكل فرد فيها دور محدد، قد يبدو بسيطا في الظاهر لكنه ضروري في اكتمال الجريمة، كما لو اقتصر دور شخص على التخزين أو النقل أو التمويل أو توفير وسائل الاتصال أو المعلومات.

وقد عكست محكمة التمييز هذا الفهم في عدد من أحكامها المتعلقة بالمساهمة الجنائية، ففي الطعن رقم 293 لسنة 2015 ـ جلسة 18/12/2016 قررت أن مجرد المشاركة في النقل أو التسليم يرقى إلى اشتراك كامل في الجريمة متى ثبت أن المتهم كان جزءا من مشروع إجرامي واحد، وأن تمييز الأدوار لا يمنع من وحدة المسؤولية. كما قررت في الطعن رقم 888 لسنة 2017 ـ جلسة 11/10/2017 أن الاتفاق الجنائي لا يشترط لإثباته وجود هيكل مكتوب أو توزيع رسمي للأدوار، بل يكفي أن تستخلص وحدة المشروع الإجرامي من القرائن والاتصالات والظروف المحيطة.

ومع المادة 45 يصبح هذا الاجتهاد القضائي مستندا إلى نص خاص، لا إلى القواعد العامة وحدها، إذ أصبحت مسؤولية قادة التنظيم وأعضائه ومموليه مثبتة بنص واضح يجرم مجرد الإنشاء والإدارة والانضمام، ويبسط العقوبة على الشبكة كلها، لا على من باشر الجلب أو الترويج مباشرة فحسب. وهذا ما ينسجم مع الاتجاه الدولي الذي تبنته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وما رسخته محكمة النقض الفرنسية في قضايا association de malfaiteurs en matière de stupéfiants، حيث أكدت ـ في أحكامها الصادرة بتاريخ 4 أبريل 2007 (رقم 06-87.432)، و11 يونيو 2014 (رقم 13-85.307)، و7 سبتمبر 2016 (رقم 16-80.023)، و3 فبراير 2016 (رقم 15-86.030) ـ أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الجريمة المنجزة، بل في التنظيم الإجرامي ذاته، وأن تجريم التنظيم يمكن السلطات من التدخل المبكر وقطع الدورة الإجرامية قبل أن تتسع أو تكتمل.

وبذلك يكتمل البناء العقابي في المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 من القمة إلى القاعدة: فالمادة 42 تعالج الجلب والتهريب والإنتاج، والمادة 43 الاتجار الداخلي بجميع صوره، والمادتان 48 و49 الحيازة المجردة والتعاطي، والمادة 44 الظروف المشددة، والمادة 45 التنظيم العصابي، ثم تأتي المواد من 52 إلى 60 لتضيف طبقة من الجرائم المكملة، كجرائم التحريض والتسهيل وإعداد الأماكن وإفشاء أسرار العلاج والامتناع عن تقديم العينات وارتكاب الجرائم العنيفة تحت تأثير المخدر، ليغدو النظام الجنائي الجديد منظومة متكاملة تعكس فلسفة «العدالة الوقائية» القائمة على تجريم الفعل والخطر والبنية معا، في ضوء ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز وما تطلبته الاتفاقيات الدولية من تحديث للأدوات التشريعية.

المطلب السادس

٭ جريمة استعمال المكان أو وسائل النقل في تعاطي المخدرات أو تداولها وأثرها على تكييف المسؤولية الجنائية

تعد جريمة استعمال المكان أو المركبة أو وسيلة النقل لتسهيل تعاطي المواد المخدرة أو المؤثرة عقليا إحدى الجرائم التي جاء المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 بصياغة موسعة لها، بعد أن كشف الواقع العملي خلال العقود الماضية عن أن عددا كبيرا من جرائم التعاطي والترويج تتم داخل سيارات أو شقق مستأجرة أو غرف معزولة أو استراحات أو أماكن غير مهيأة للرقابة، وأن هذه الظاهرة تشكل بيئة حاضنة لانتشار التعاطي واتساع دائرة الاتجار. وقد نص المشرع في المادة 50 على تجريم كل من يهيئ مكانا لتعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، سواء تم التقديم بمقابل أو بغير مقابل، أو تم ذلك داخل عقار أو منشأة أو مركبة أو وسيلة نقل، أو داخل أماكن مغلقة أو مفتوحة، ما دام الغرض منه هو تمكين الغير من التعاطي أو تسهيله.

وتكشف الصياغة الجديدة أن المشرع لم يعد يتعامل مع المكان بوصفه مجرد وعاء محايد، بل بوصفه عنصرا فاعلا في البناء الإجرامي، لأن وجود المكان المخصص للتعاطي أو التداول يخلق بيئة محمية تمكن النشاط المحظور من الاستمرار والتوسع. ولهذا فقد أضفى القانون على هذا الفعل وصفا مستقلا تجريميا لا يندمج في الحيازة أو الاتجار، بل يشكل جريمة قائمة بذاتها.

وقد أكدت محكمة التمييز الكويتية هذا الفهم منذ وقت مبكر، إذ قضت في الطعن رقم 748 لسنة 2017 ـ جلسة 22/1/2018 بأن تهيئة المكان تعد نشاطا إجراميا مستقلا، وأن صاحب العقار أو المستأجر أو المنتفع بالمسكن يسأل جزائيا متى ثبت علمه باستخدام المكان في التعاطي أو الترويج، ولو لم تضبط المادة في يده. كما رسخت المحكمة في الطعن رقم 293 لسنة 2015 ـ جلسة 18/12/2016 مبدأ أن الجاني قد يكون فاعلا أصليا في جريمة التقديم أو التسهيل إذا كان دوره متمثلا في إتاحة المكان وتيسير وصول المتعاطين إليه.

ويلاحظ أن المرسوم بقانون الجديد قد شدد العقوبة في حالة استعمال وسيلة النقل، إذ إن المادة 50 أدرجت المركبة ضمن أماكن التقديم والتسهيل، وذلك استجابة لما كشفته محاضر الضبط من استخدام المركبات بوصفها «غرفا متنقلة» للتعاطي أو لمقابلات البيع والترويج. ويكشف هذا عن تطور تشريعي مهم يتجاوز المفهوم التقليدي للمكان الثابت، ويستوعب الصور الحديثة للتعاطي والاتجار.

ولا يقتصر أثر الجريمة على الجانب المادي، بل يمتد إلى تكييف القصد الجنائي، إذ إن المحكمة تستخلص نية التسهيل أو التقديم من طبيعة المكان وطريقة إعداده وسلوك المتهم وتكرار الزيارات وحجم الأدوات المضبوطة. وقد أكدت محكمة التمييز هذا المنهج في الطعن رقم 894 لسنة 2017 ـ جلسة 26/3/2018 عندما قررت أن «تهيئة المكان» قرينة قوية على اتجاه الإرادة نحو تمكين الغير من التعاطي ما دام المتهم على علم بذلك.

ويمثل تجريم هذه الصورة خطوة تشريعية مهمة في مسار العدالة الوقائية التي يتبناها المرسوم، إذ يجعل من المكان نفسه محلا للمساءلة، ويغلق واحدة من أهم الثغرات التي استغلها المتعاطون والمروجون خلال السنوات الماضية، ما يؤكد أن التشريع الجديد قد انتقل من مواجهة الجريمة في لحظة وقوعها إلى تجفيف بيئتها الحاضنة قبل اكتمالها.

المطلب السابع

٭ جرائم الإخفاء، والإيواء، وتقديم العون لمرتكبي جرائم المخدرات، والتجريم الوقائي للمساعدة اللاحقة

يمثل الإخفاء والإيواء وتقديم العون لمرتكبي جرائم المخدرات من أخطر الدعامات التي تعتمد عليها شبكات الاتجار والترويج، إذ تكشف الخبرة العملية أن أغلب الشبكات العصابية لا تعمل في فراغ، بل تعتمد على شبكة من المساعدين الذين يوفرون لهم الحماية أو المعلومات أو الإيواء أو التسهيل، سواء أثناء ارتكاب الجريمة أو بعد وقوعها. وقد أدرك المشرع الكويتي خطورة هذه الظاهرة، فنص في المادة 51 من المرسوم بقانون على تجريم كل من يقدم مساعدة بأي صورة لمرتكبي جرائم المخدرات أو المؤثرات العقلية، سواء تمثل ذلك في الإيواء أو إخفاء الأشخاص أو الأشياء أو الوسائط أو وسيلة النقل أو العائدات، أو المساعدة على الإفلات من الرقابة أو العدالة.

ويكشف هذا النص عن انتقال مهم في مفهوم المسؤولية الجنائية، إذ لم يعد القانون يقتصر على الفاعل الأصلي أو الشريك السابق على الجريمة، بل توسع ليشمل «المساعدة اللاحقة» التي قد تبدو في ظاهرها مساعدة ثانوية، لكنها في الحقيقة جزء محوري في تمكين الجريمة من الاستمرار. وهذا المفهوم ينسجم مع الاتجاه الذي اتخذته التشريعات المقارنة، وخاصة القانون الفرنسي، الذي جرم في المادة 434-6 من قانون العقوبات كل من يعين مرتكبي جرائم الاتجار بالمخدرات أو يخفيهم أو يساعدهم على الهرب، وهو ما عززته محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر بتاريخ 4 أبريل 2007 (رقم 06-87.432) عندما اعتبرت أن «الدعم اللاحق» لا يقل خطورة عن «المشاركة السابقة».

وقد رسخت محكمة التمييز الكويتية هذا الاتجاه في عدد من أحكامها، ففي الطعن رقم 1295 لسنة 2017 ـ جلسة 16/4/2018 قررت المحكمة أن إيواء المتهمين أو إخفاء المضبوطات أو المبالغ أو أدوات التعاطي يعد صورة من صور التسهيل التي تستخلص منها نية العون الإجرامي، حتى لو لم يكن المتهم قد شارك في الفعل الأصلي. كما أكدت في الطعن رقم 371 لسنة 2008 ـ جلسة 21/4/2009 أن كل سلوك يهدف إلى «تخفيف أثر الضبط» أو «تعطيل إجراءات التحقيق» أو «إخفاء أدوات الجريمة» يمثل جريمة قائمة بذاتها.

كما أن المادة 51 لم تكتف بتجريم الإيواء والإخفاء، بل تبنت فلسفة «التجريم الوقائي» للمساعدة التي قد لا تؤدي مباشرة إلى وقوع الجريمة، لكنها توفر مظلة لمرتكبيها، إذ اعتبرت أن مجرد تقديم وسيلة اتصال أو تنبيه أو مراقبة أو نقل أو إرشاد أو مرافقة، إذا ثبت علم المتهم بالغرض، يعد مشاركة جنائية تستوجب العقاب. وهذا يجعل نطاق المسؤولية أكثر شمولية، ويقطع الطريق على الشبكات التي تعتمد على مساعدات جانبية لا تقل أثرا عن الفعل الأصلي.

كما يلاحظ أن المرسوم قد شدد العقوبة إذا ارتكب فعل المساعدة عبر وسائل تقنية حديثة، مثل تزويد المتهمين بمعلومات عن نقاط التفتيش أو التحركات الأمنية أو استعمال تطبيقات مشفرة لتنسيق عمليات الهروب أو الإخفاء، وهي صور باتت تظهر متكررة في محاضر الضبط الحديثة، ما يكشف عن وعي تشريعي حقيقي لطبيعة الجريمة التقنية المتنامية.

وبذلك، يمكن القول إن المرسوم بقانون 159/2025 قد نقل جرائم العون والمساعدة من الهامش التشريعي إلى قلب المنظومة العقابية، واعتبرها جزءا جوهريا من دورة الجريمة، لا مجرد أفعال تبعية، الأمر الذي ينسجم مع فلسفة «شبكة المخاطر» التي يقوم عليها القانون الجديد.

خاتمة الدراسة

تمثل المنظومة التشريعية الجديدة التي جاء بها المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 نقطة تحول حاسمة في مسار السياسة الجنائية الكويتية تجاه جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، إذ لم تقتصر على تطوير النصوص السابقة، بل أعادت بناء الفلسفة القانونية التي تحكم هذا المجال برمته، وانتقلت من التجريم التقليدي إلى معالجة أكثر عمقا تستند إلى العلم والدليل الفني والرقابة المؤسسية. وقد بدا واضحا أن المشرع تبنى نهجا يقوم على إعادة صياغة المفاهيم، وتوحيد التعريفات، وبناء قاعدة تشريعية تضمن الانسجام بين النصوص والأهداف العامة لحماية المجتمع.

ويكشف تحليل القانون أن المشرع قد واءم بين الردع الصارم لمواجهة التنظيمات الإجرامية وشبكات الاتجار من جهة، وبين العدالة العلاجية التي تسعى إلى تأهيل المتعاطين ودمجهم من جديد في المجتمع من جهة أخرى. وقد جاءت نصوص الفحص الإلزامي، والإيداع، والعلاج الطوعي، والفحص العشوائي، لتؤكد أن المواجهة لم تعد حبيسة إطار العقوبة، بل توسعت لتشمل أدوات وقائية وصحية واجتماعية، لا تقل أهمية عن العقوبات ذاتها.

كما استثمر التشريع الجديد ما راكمته محكمة التمييز الكويتية من مبادئ راسخة في مجال الإثبات والركن المادي والعلم والحيازة الحكمية، فترجم هذه المبادئ إلى أحكام تشريعية واضحة، وبذلك ضيق نطاق الجدل القضائي، وأغلق الثغرات الإجرائية التي طالما أثارت الطعون، خصوصا في مسائل التحريز، وسلسلة العهدة، وبيان النسبة الفعالة للمادة، وشرعية الفحص والتحليل. وهذا التكامل بين القضاء والتشريع يعكس نضجا تشريعيا ويعزز الثقة في النظام القانوني.

وتبرز أهمية القانون الجديد في كونه لم يكتف بإعادة ترتيب العقوبات، بل أعاد هندسة البنية المؤسسية للدولة في مكافحة المخدرات، من خلال إنشاء المجلس الأعلى للمخدرات، وإعادة تنظيم الترخيص للمؤسسات الطبية والصيدلانية، وتعزيز الرقابة الإلكترونية على تداول المؤثرات العقلية. وهذا التطوير البنيوي يمنح الدولة القدرة على مواجهة الجريمة بشمولية لا تعتمد على أدوات الشرطة وحدها، بل على تكامل الجهود الصحية والاجتماعية والتعليمية والأمنية.

وفي النهاية، فإن المرسوم بقانون لسنة 2025 يمثل خطوة متقدمة نحو بناء منظومة عدالة وقائية تستند إلى الفهم العلمي للظاهرة الجنائية وإلى رؤية متوازنة تجمع بين الصرامة في حماية المجتمع والمرونة في معالجة حالات الإدمان. وتبقى أهمية التطبيق الفعلي للنصوص، وتطوير آليات التنفيذ، وتفعيل دور القضاء والنيابة والجهات الصحية، هي العامل الحاسم في ضمان نجاح هذه المنظومة، وتحقيق الغاية الكبرى التي يطمح إليها المشرع، وهي صون المجتمع الكويتي وحماية أجياله من خطر المخدرات والمؤثرات العقلية.

الكويت - قانون المخدرات فيصل الكندري - دراسات
مواضيع ذات صلة

الأنباء في لقاء مع الميكانيكية جوري: الميكانيكا ليست حكراً على الرجال

  • 6/1/2026

عندما أكبر في السن.. هل أستسلم؟

  • 5/22/2026

بالفيديو.. ندوة «الأنباء» حول «الرقابة التجارية ودور المنتج الوطني في استقرار الأسواق»: مخزون الكويت الغذائي يكفي 6 أشهر.. ويصل لعام ونصف بالأزمات

  • 1/19/2026

بالفيديو.. تخريب المرافق العامة.. جريمة يدفع ثمنها الوطن

  • 12/23/2025

بالفيديو.. ضبط 3 أطنان مخدرات في 2025 استدعى القانون الأقوى منذ 30 عاماً

  • 12/15/2025

بالفيديو.. «المطلاع فيوز»... واحة فخامة في قلب الصحراء تستقبل زوار الشتاء

  • 12/7/2025

بالفيديو..الربيعان لـ «الأنباء»: الكويت شريك إستراتيجي موثوق في الحلول الإنسانية

  • 12/1/2025

ندوة «الأنباء»: مكافحة التدخين تتطلب تضافر كل الجهود الوطنية

  • 11/30/2025
BBC header category

تعديلات تحكيمية في المونديال.. صلاحيات أوسع لـ"الفار" وحرب على إضاعة الوقت

من سجّل أول هدف في تاريخ كأس العالم لكرة القدم؟ ومن سدّد الهدف الأخير؟

دقيقة حركة كل ساعة، هل تحمينا من مخاطر الجلوس الطويل؟

عقار جديد يمنح أملاً لمرضى سرطان البنكرياس للعيش لفترة أطول

كأس العالم 2026: وجوه جديدة تشارك لأول مرة وعودة لمنتخبات غابت طويلاً

اقرأ المزيد

مقالات مميزة
استوديو الأنباء
إصدار خاص
  • إصدار خاص بمناسبة الذكرى الثانية لتزكية وتعيين سمو الشيخ صباح الخالد ولياً للعهد
    إصدار خاص بمناسبة الذكرى الثانية لتزكية وتعيين سمو الشيخ صباح الخالد ولياً للعهد
1 من 2
BBC Header Image
  • تعديلات تحكيمية في المونديال.. صلاحيات أوسع لـ"الفار" وحرب على إضاعة الوقت
    من سجّل أول هدف في تاريخ كأس العالم لكرة القدم؟ ومن سدّد الهدف الأخير؟
    دقيقة حركة كل ساعة، هل تحمينا من مخاطر الجلوس الطويل؟
  • عقار جديد يمنح أملاً لمرضى سرطان البنكرياس للعيش لفترة أطول
    كأس العالم 2026: وجوه جديدة تشارك لأول مرة وعودة لمنتخبات غابت طويلاً
    ماذا نعرف عن قلعة الشقيف أرنون التي أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة عليها؟
  • بعد سنوات من الاختفاء القسري.. الإعلان عن مقتل أبناء رانيا العباسي يهز منصات التواصل الاجتماعي
    الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا تطور تكنولوجيا المسيّرات تحت الماء
    إشارات متضاربة حول التقارب الأمريكي الإيراني
    البيت الأبيض: ترامب لن يبرم اتفاقاً مع إيران إلا إذا استوفى كل شروطه
    كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين الرعاية الصحية؟
    هل اكتشف الأطباء نوعاً جديداً من السكري؟
    فاكهة القشطة.. من محصول محلي إلى قصة نجاح في الهند
    ضربة حظ: كيف غيّر صيدلي بريطاني مغمور طريقة إشعال النار؟
اقرأ المزيد
من
الأمم المتحدة وأهداف التنمية المستدامة
  • الأمم المتحدة وأهداف التنمية المستدامة.. 17 هدفاً لتحويل عالمنا
    الأمم المتحدة وأهداف التنمية المستدامة.. 17 هدفاً لتحويل عالمنا
1 من 2
استوديو الأنباء
  • تقارير فيديو
    تقارير فيديو
  • بدون مذيع
    بدون مذيع
  • مع الحبيب
    مع الحبيب
  • بودكاست
    بودكاست
  • think outside الصندوق برنامج..
    think outside الصندوق برنامج..
  • وفاء الحشاش
    وفاء الحشاش
  • في القوول
    في القوول
  • توب سبيد
    توب سبيد
  • KIDOO with TAHOON
    KIDOO with TAHOON
  • برنامج السيرة
    برنامج السيرة
  • المحامي بشار النصار
    المحامي بشار النصار
  • المحامية والناشطة الحقوقية نيڨين معرفي
    المحامية والناشطة الحقوقية نيڨين معرفي
  • عبد الله الحشاش
    عبد الله الحشاش
  • فنجان قهوة
    فنجان قهوة
 
جريدة الأنباء الكويتية
«الأنباء» في الصدارة

تواصل «الأنباء» تقدمها المستمر خلال السنوات الأخيرة بنسختيها الورقية والإلكترونية والنمو في أرقام توزيعها ومتابعيها، ويأتـي ذلك تتويجاً لجهود كبيرة على مستويات التحرير والتسويق والتوزيع، ويرسخ موقعها بين صحيفتي الصدارة في دولة الكويت ورقياً، كما تحتل المرتبة الأولى إلكترونياً.

وتفتخر «الأنباء» بأنها تعتبر نموذجاً في المصداقية والاعتدال والموضوعية، وتحظى بثقة عالية من قرائها نتيجة لحرصها على الدقة في نقل الأخبار والتركيز على كل ما يهمهم.

كما تعتز بإشادة القيادة السياسية في البلاد بمهنيتها وتوجهاتها وتعاملها مع القضايا الوطنية.

وإلى جانب التطوير المستمر على مستوى المضمون والشكل، تابعت «الأنباء» سلسلة الحملات التسويقية المميزة والجاذبة التي اشتهرت بها، ما شجّع عشرات الآلاف من المشتركين على الانضمام إلى أسرة قرائها.

العنوان
  • Shuwaikh Area - Press Street
    Airport Road - Kuwait
  • (+965) 22272727 - 22272728
    (+965) 22272729
  • editorial(at)alanba.com.kw
  • تواصل معنا
alanba Android App alanba ios App alanba Android App
 
  • الصفحة الرئيسية
  • لمحه عن الأنباء
  • الإعلان والتسويق
  • تطبيقات الهواتف الذكية
  • خريطة الموقع
  • اتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة - جريدة الأنباء © 2026