شهدنا خلال الفترة الماضية أحد المواسم الثقافية في البلاد، من خلال تنظيم معرض الكتاب السنوي، تلك اللحظة التي تتبدل فيها أنفاس الكويت من حر السموم إلى نسيم عليل لتتهيأ معه العقول لاستقبال المعرفة. وهو واحد من أهم المواعيد التي ينتظرها القارئ الحقيقي، ليهمس له هواء نوفمبر الهادئ بأن الثقافة قادرة رغم كل شيء على أن تمنح الحياة طمأنينتها وعمقها.
في الحقيقة، كانت تلك مقدمة لما أريد التعرض له وهي ظاهرة خطيرة، وخطرها يضيق الخناق على تلك المساحة الثقافية والفسحة الفكرية التي ما إن نعلن عنها في بداية الموسم حتى نشعر بها تضيق الخناق على الأجواء الثقافية الرحبة.
يخرج علينا ما يعرف بالمشاهير أو ما يحملون تلك المسميات الغريبة الذين يستغلون شهرتهم البائسة في تحويل الثقافة إلى سلعة رخيصة، قرروا ولا نعلم من يقرر لهم أن يقتحموا المعرض لا بالكلمة، بل بالشهرة والصورة واللافتة الإعلانية.
لقد تحولت بعض منصات المعرض التي من المفترض أن تكون معاقل للفكر الحر إلى مسارح استعراض يقف عليها من لا يمتلك من الثقافة إلا غلافها.
إنهم يتعاملون مع الكتاب كسلع تباع وتشترى، يبيعون منها ربما نسخا عديدة خلال المعرض ثم تحتضر النسخ المتبقية وتموت بمجرد انتهاء المعرض، انتحال ثقافي على المعرفة نفسها.
في المقابل، يقف مثقف حقيقي على الهامش، يطالع المشهد بمرارة، وفي خاطره ألف سؤال وسؤال!!
إن ويلات الثقافة لا تأتي من عزوف الناس عن القراءة، بل من أولئك الذين يملأون المعارض ضجيجا خاويا لا يحمل شيئا حقيقيا يمكن أن يثري الساحة.
يقول د.جمال حسين في كتاب «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟»: «مهمة المثقفين تنحصر في تحليل الأشياء وتوضيحها في اتجاه لصالح المجتمع مع كشف ما تبقى وما هو مفقود والسير بالطريق المحفوف بالمخاطر».
فالثقافة ليست زينة أو حلية نرتديها في أوقات المعارض ثم نخلعها بعد ذلك، وليست وسيلة للشهرة وإحداث الجلبة، الثقافة لها دورها واستخداماتها الواضحة في أعمال نهضة المجتمع والدولة.