تمتلك الكويت قدرات بشرية وإمكانات فنية هائلة، لكنها - حتى اليوم - لم تستثمر بالشكل الكامل الذي يجعل الفنون والصناعات الإبداعية رافدا اقتصاديا حقيقيا كما نصت عليه رؤية الكويت 2035. فالعديد من التخصصات الدقيقة داخل قسم التربية الفنية، مثل فن أشغال المعادن والحلي، وفن تشكيل الخشب، والخزف، والنحت، والطباعة والأشغال الفنية، قادرة على أن تقدم للسوق أكثر بكثير مما تقوم به الآن، لو تحولت من مقررات تدريبية إلى مسارات إنتاجية متخصصة تمكن الطلبة من إطلاق مشاريعهم الخاصة، والانخراط في سوق العمل بأدوات عملية لا نظرية فحسب.
إن صناعة الفنون اليوم لم تعد نشاطا ترفيهيا، بل أصبحت جزءا أساسيا من الاقتصاد الإبداعي الذي تتنافس الدول على بنائه لتعزيز التنوع الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، ومن هنا، تظهر الحاجة الملحة الى إعادة صياغة دور قسم التربية الفنية بكلية التربية الأساسية بحيث يصبح حاضنة لمسارات تطبيقية قادرة على تخريج فنانين وحرفيين ومصممين يمتلكون مهارات حقيقية تترجم إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وثقافية.
فعلى سبيل المثال: فن أشغال المعادن والمجوهرات يمكنه تخريج مصممين وصاغة قادرين على تأسيس ورش للإكسسوارات والحلي، أو تصميم هدايا تذكارية سياحية ذات هوية محلية، أو ابتكار علامات تجارية تستلهم رموز دلمون والسدو والتراث البحري الكويتي. وينطبق الأمر ذاته على تخصصات الخشب والخزف والنحت والطباعة والأشغال الفنية، حيث تمتلك كل منها مئات الفرص للإنتاج الحرفي والفني وصناعة المنتجات السياحية.
غير أن التحول الحقيقي يحدث عند تطبيق مفهوم البرامج العابرة للتخصصات - وهو توجه عالمي تتبناه الجامعات الحديثة - حيث لا يقتصر تعليم الطالب على اكتساب المهارات الفنية فقط، بل يتاح له دمج الفنون مع تخصصات أخرى تكملها وتمنحها قوة اقتصادية.
فعلى سبيل المثال، الطالب الذي يرغب في إطلاق مشروع صغير في تصميم المجوهرات أو الخزف أو الهدايا التراثية يمكنه الجمع بين:
مهاراته العملية التي اكتسبها في ورش الفنون، ومقررات في إدارة المشاريع الصغيرة، وأخرى في التسويق ودراسات الجدوى والتكاليف الصناعية، لنصل في النهاية إلى خريج يمتلك المهارة الفنية، والمعرفة القانونية، والقدرة التسويقية، والأهلية لإدارة مشروع ناجح ومستدام.
وهنا يكمن جوهر الفكرة:
الفنون وحدها تمنح المهارة… لكن الفنون إذا اندمجت مع الإدارة والقانون والاقتصاد تتحول إلى صناعة.
هذه البرامج العابرة للتخصصات تمكن الطالب من بناء مساره الخاص حسب اهتماماته، وتمنحه تذكرة دخول حقيقية إلى عالم ريادة الأعمال. كما تفتح الباب لمسارات وطنية مهمة، مثل إعداد المشرفين والمرشدين المتحفيين وترميم القطع الأثرية، وهي مجالات تحتاج إليها المتاحف الكويتية والمشاريع الأثرية في فيلكا والصبية وغيرهما.
إن تحويل الفنون إلى صناعة وطنية ليس ترفا فكريا، بل ضرورة تنموية، فهي قادرة على توليد فرص عمل جديدة، ودعم السياحة الثقافية، وتعزيز الهوية الوطنية، وتمكين الشباب من تأسيس مشروعاتهم الخاصة بدل انتظار الوظائف التقليدية، وما لم نبدأ بتحويل هذه المسارات إلى برامج حقيقية، فإننا سنفقد فرصة ثمينة لدمج الفنون بالاقتصاد، وتحويل تراثنا وفنوننا إلى قيمة مستدامة تدعم مستقبل الكويت ورؤيتها.