- للأسف بعد موت الوالدين نجد أن برهما قد انقلب إلى قطيعة وأصبحت ساحات المحاكم مليئة بالقضايا بين الإخوة والأخوات
تولى الله عز وجل توزيع الميراث على مستحقيه بنفسه، ولم يترك ذلك لغيره، فكان ذلك من الدقة والعدالة في التوزيع، ولكن هناك أخطاء عند تقسيم التركات، فما هي؟ وكيف نتجنبها؟ هذا ما يوضحه د.محمد ضاوي العصيمي.
يقول د.العصيمي موضحا الأخطاء الشائعة في قسمة التركة:
الحمد لله الذي قسم المواريث في محكم آياته، وهو أعدل من قسم، وهو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وهو سبحانه الذي حرّم الظلم على نفسه، وحرمه على عباده، وصلاة وسلاما على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أصدق البرية لسانا، وأعلاها مقاما، وأعظمها شأنا، الذي روى عن رب العزة تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» (أخرجه مسلم (2577)). كما توعد سبحانه الظالمين بأشد العذاب يوم القيامة، فقال تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) (إبراهيم: 42). ثم أما بعد:
فيقول الله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) (النساء: 58). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (أخرجه أبوداود (2870)، وصححه الألباني).
فعندما أنزل الله تبارك وتعالى آيات المواريث أعطى الحقوق لأصحابها، ولم يكل الله عز وجل قسمة الميراث لا لنبي مرسل، ولا لملك مقرب، بل تولى سبحانه وتعالى بحكمته قسمتها بنفسه، ولهذا تجد في أحكام المواريث من يستحق الثلث والثلثين والثمن والسدس والنصف، ومن يحجب، ومن يحرم حرمان نقصان، أو غير ذلك من أحكام المواريث.
وهذا التحديد في أحكام المواريث لا شك أنه قد قطع نزاع الأنفس البشرية المفطورة على حب المال، والتعلق به، فلو أن الله أوكل قسمة الميراث إلى البشر لتنازعوا واختلفوا، ووقع بينهم الشقاق، لكن الله بحكمته تولى قسمتها بنفسه.
ومما ينبه عليه - وهذا من الأمور المهمة - أن المال الذي يتركه الميت بعد وفاته يجب أن يكون سببا في جمع الأسرة، وليس في تفرقها، ويكون سببا في تقويتها، وليس في ضعفها، فالعاقل لا يجعل المال سببا للقطيعة، وسببا للنزاع والخلاف، خاصة بعد موت المورث، الذي غالبا ما يكون أبا أو أما.
البر لا ينقطع
ولفت د.العصيمي إلى أن كثيرا من الناس قد عقوا آباءهم وأمهاتهم بعد موتهم، مع أنهم قد يكونون بارين بآبائهم في حياتهم، وبمجرد موت الأب أو الأم يتقاطع هؤلاء الأبناء، ويتخالفون، ويتدابرون، بسبب ما يكون من قسمة الأموال، وفي هذا عقوق للوالدين بعد موتهما، مع أن الإنسان مأمور بأن يكون واصلا لأبيه وأمه حتى بعد موتهما، وأن يكون بارا بهما بعد موتهما.
فقد جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (أخرجه أبوداود (5142)، وصححه الألباني).
فالبر لا ينقطع بموت الأب والأم، وإنما يجب أن يستمر حتى بعد وفاتهما، لكن من المؤسف أننا حينما نتأمل في واقع بعض الناس اليوم نجد أن هذا البر قد انقلب إلى قطيعة، وأصبحت ساحات المحاكم مليئة بالقضايا بين الإخوة والأخوات، والأقارب، بسبب هذه الأموال، وتنازع النفوس البشرية عليها.
وهذا بلا شك يدعونا إلى الوقوف وقفة مهمة لمعرفة الأخطاء التي تقع في قسمة التركة بعد وفاة ذلك الميت.
الأخطاء الأكثر انتشاراً
وحول الأخطاء التي تكون عند تقسيم التركات، قال د.العصيمي: هناك ستة أخطاء شائعة، الخطأ الأول: التأخر في قسمة الميراث.
فقد يكون سبب هذا الخجل والحياء من تقسيم الميراث فور موت المورث، ويترك الأمر لشهور وسنوات، فتزداد هوة الخلاف، وتدخل الظنون السيئة بين الإخوان، ويؤخر حق الفقير في زكاة المال، لأن هذا الفقير له حق في هذا المال، فهؤلاء للأسف الشديد لم يبالوا بهذا، حتى امتدت آجال قسمة التركة سنوات طويلة، فحصل بسببها النزاع والقطيعة والخلاف، ولو أنهم قسموا تركتهم، وعرف كل إنسان ما له وما عليه بعد وفاة الميت مباشرة، لم يكن ليحصل مثل هذا النزاع والشقاق.
أما عن الخطأ الثاني، فقال: استئثار بعض الورثة بالتصرف في مال التركة.
قد يحدث ذلك بحجة أنه أكبر الورثة سنا، أو أنه الذكر والباقي نساء، ثم يسوغ لنفسه - نسأل الله العافية - أن يتسلط على هذا المال، أحيانا بالتأول، وأحيانا بقصد التسلط على المال، وأكل حقوق الناس، وهذا لا شك أنه منكر عظيم وإثم كبير، فالله عز وجل يقول: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) [النساء: 10].
وعن الخطأ الثالث يكون في قسمة الميراث في حياة المورث.
أحيانا يجمع الأب أولاده، ويقسم بينهم ماله في حياته، بدعوى أنه لا يريد خلافا بعد موته، وهذا خطأ ظاهر لأمرين:
الأمر الأول: هذا الأب لا يدري من يموت قبل من؟ فقد يموت قبلك أحد الأبناء، ويكون عنده مال، فتصبح أنت وارثا له.
الأمر الثاني: أن هذا مدعاة وباب للعقوق، فإن كثيرا ممن قسم ماله في حياته، وأخذ كل ابن ماله، انفضوا عن أبيهم وعن أمهم، فكان ذلك الفعل سببا في جلب العقوق لنفسه في حياته، وهذا لأنه خالف أمر الله عز وجل، حيث إنه من شروط التوريث موت المورث، وهذا الشرط اختل هنا، فالمورث ليس ميتا.
وأما الخطأ الرابع فهو التسرع في قسمة التركة قبل إخراج الحقوق.
يقول أهل العلم: أول ما يجب في مال الميت تجهيزه، ثم بعد ذلك تأدية ديونه، والديون نوعان: حقوق لله عز وجل، وحقوق للمخلوقين، أما حقوق الله فتشمل الزكاة الواجبة، فقد يكون هذا الميت قصر في إخراج زكاة ماله، ومن حقوق الله حج الفريضة، وقد يكون ما أداه، وليس حج النافلة، لأن حج النافلة لا يوجب إخراج المال من التركة، أما الحج الواجب فيجب، لأن هذا دين، وقد يكون عليه كفارة، وقد يكون عليه نذر هذه حقوق لله عز وجل، أما حقوق المخلوقين فهي ديونه.
فبعض الناس يبدأ في تقسيم التركة على الجميع مباشرة، دون نظر في حق الله، ولا في حق هؤلاء الدائنين، فيجب على الإنسان أن يتحرى ويتثبت ويخرج الحقوق.
ثم إذا بقي مال بعد ذلك ينظر في وصايا الميت، فإن كان له وصية فتخرج في حدود ثلث ماله، فقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد يعوده بمكة، فبكى، قال: «ما يبكيك؟» فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا» ثلاث مرار، قال: يا رسول الله، إن لي مالا كثيرا، وإنما يرثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: «لا»، قال: فبالثلثين؟ قال: «لا»، قال: فالنصف؟ قال: «لا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير» (أخرجه البخاري (2744)، ومسلم (1628)).
الوصية الواجبة
ويسرد د.العصيمي في ذكر الأخطاء فيوضح لنا الخطأ الخامس وهو ما يعرف بالوصية الواجبة، فقال: قد أقرت القوانين في بعض الدول العربية ما يعرف بالوصية الواجبة، والحقيقة أنه ليس لها مستند شرعي، وإنما هي وصية قانونية، أخذ بها القانون المصري قبل ما لا يزيد على 100 سنة، ثم بعد ذلك تبعتها قوانين أغلب الدول الأخرى.
والوصية الواجبة: هي أن يموت الابن في حياة أبيه، ويترك هذا الابن أولادا، فإذا مات الجد يعطى الأحفاد نصيب أبيهم كما لو كان حيا.
فمن قواعد الميراث أن الأعلى يحجب الأدنى، فلو عندي 3 أبناء، فابن الابن ليس له شيء، أما القانون، فقد رفع ابن الابن مقام الابن، وسوى بينه وبين أعمامه، وهذا خطأ، وفيه تعد على حق هؤلاء الأعمام.
لكن يمكن إيجاد مخرج شرعي لهذه الصورة بأمرين:
الأمر الأول: أن يوصي الجد لأبناء ابنه المتوفى وصية اختيارية، فهو يعلم أنهم لن يكون لهم نصيب في ميراثه.
الأمر الثاني: أن يتحلل هؤلاء الأحفاد من أعمامهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه» أخرجه أحمد (20695)
والحقيقة أن هذا أخذ مالا بغير طيب نفس منهم، أما إذا رضي الأعمام وطابت نفوسهم لإخراج نصيب من تركتهم، لإعطاء أولاد أخيهم المتوفى، فإن هذا لا بأس به.
إحراج الورثة
وعن الخطأ السادس، قال د.العصيمي: يحدث إحراج الورثة للتنازل عن نصيبهم، فأحيانا نجد أن أحد الأبناء - بداعي البر - يطلب من باقي الورثة أن يتنازلوا جميعا عن نصيبهم في ميراث الأب أو الأم، لأجل عمل مشروع خيري، كبناء مسجد، أو حفر بئر، أو غير ذلك، وهذا خطأ كبير، لأن هذا فيه إكراه معنوي، فهو إلزام لهؤلاء بالصدقة دون طيب نفس منهم.
فالواجب أن يعطى كل وارث حقه، ثم بعد ذلك إن شاء دعاهم إلى بناء مسجد، أو حفر بئر، فقد يكون بين الورثة مدين أو غارم، أو إنسان يستحيي أن يتكلم، ويظهر رفضه، لأنه سيتهم بالقطيعة والعقوق وغير ذلك، وهذا يدخله في الحديث السابق: «إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه».
فنسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يفقهنا في ديننا، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وإياكم الظلم، إنه على كل شيء قدير.