- الطبطبائي: في الإسراء كان البلاء والتمحيص وفي المعراج الأولى بالإمامة الأعلى منزلة عند الله
- الكوس: مدرسة إيمانية كبرى تعلمنا أن الإيمان يبنى على التسليم واليقين وعدم اليأس مهما اشتدت المحن
ونحن نعيش ذكرى الاسراء والمعراج برسول رب العالمين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، نعتبرها منهجا ودستورا في انحاء العالم بما فيها من دروس وعبر ومواقف، فكيف نستلهم من هذه الذكرى ما يعيننا على تفسير حياتنا اليومية بما فيها من دروس وعبر؟
حول الحكمة من حادثة الاسراء والمعراج، يقول د.السيد محمد الطبطبائي: ان من اعظم المعجزات الدالة على صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الاسراء والمعراج، قال الله تعالى في محكم التنزيل (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير).
ولقد بين الله تعالى الحكمة التي أسري به لأجلها، فقال عز وجل (لنريه من آياتنا)، أي: ما اراه الله سبحانه في تلك الليلة من العجائب، والتي فيها: أنه إيناس للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم له، وان فيه تثبيتا لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اسرى الله تعالى برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليريه من آياته، وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد، فهو ضيافة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، وتجديد لعزيمته وثباته، كما انه معجزة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم التي تظهر في عدة جوانب منها: قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل، وانه لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس، فبينما هو في بعض الطريق مر بعير لقريش تحمل طعاما، منها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت، وصرع ذلك البعير وانكسر، فأصبح، فأخبر عما كان، فلما قدمت العير سألهم المشركون، فأخبروهم على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه بيان لمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن قتادة ان النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة اسري به، ملجما، مسرجا، فاستصعب عليه، فقال جبريل عليه السلام: أبمحمد تفعل هذا! فما ركبك أحد أكرم على الله منه.
وزاد: كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الاسراء بعض العجائب والآيات حتى يحصل له عين اليقين، وفي الرحلة البلاء والتمحيص، وقد اختلف موقف الناس من الاسراء بين مصدق ومكذب.
فوائد ودروس وعبر
وحول ما يستفاد من الاسراء والمعراج، قال د.الطبطبائي: يستفاد من حادثة الاسراء والمعراج تحريم اكل الربا، فقد رأى النبي عقوبة أكلة الربا بأن لهم بطونا كبيرة، امثال البيوت، كلما نهض احدهم خر، لا يقدرون لأجلها ان يتحركوا من مكانهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطؤونهم.
كما يستفاد من معجزة الاسراء والمعراج انه يحرم على المسلم ان يأكل اموال اليتامى ظلما، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت رجالا لهم مشافر (أي: شفة البعير الغليظة) كمشافر الإبل، في ايديهم قطع من نار، كالأفهار (أي: الحجارة)، يقذفونها في افواههم فتخرج من ادبارهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة اموال اليتامى ظلما».
وهذه العقوبة دليل على ان لمال اليتيم حرمة، وتحريم اكل اموالهم ظلما.
وتابع: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم اخيك، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من امتك اللمازون، وان النبي صلى الله عليه وسلم رأى الزناة، عندما عرج به الى السماء، بين ايديهم لحم سمين، طيب، الى جنبه لحم غث، منتن، يأكلون من الغث النتن ويتركون السمين، كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء اللاتي يدخلن على ازواجهن من ليس من اولادهم معلقات بثديهن، وقال صلى الله عليه وسلم «لما عرج بي ربي، مررت بقوم لهم اظافر من نحاس، يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في اعراضهم».
وعن فضل ومكانة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم عند ربه سبحانه انه عرج الى السماء السابعة، وسؤال النبي موسى عليه السلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم سؤال الله التخفيف في الصلاة، قال الطبطبائي: يستفاد من ذلك ان الاولى بالامامة هو الاعلى منزلة عند الله تعالى، وفيه بيان لعظم مكانة الصلاة، وكذلك مشروعية صلاة الجماعة، كما انه يشرع ان يصلي الناس السنة جماعة، وايضا فيه استحباب صلاة السنة للمسافر، ويؤكد على ان جميع الارض يجوز الصلاة فيها.
خرق للعادة
من جهته، بين د.احمد الكوس بعض الدروس الايمانية والتربوية من الاسراء والمعراج، فقال: افتتح الله تعالى آية الإسراء بقوله (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)، والتسبيح هنا تنزيه لله عن العجز، وإعلان أن ما سيذكر بعده أمر فوق قوانين البشر، لا تحكمه سنن المادة، بل تحكمه قدرة الله المطلقة، فالإسراء من مكة إلى بيت المقدس، ثم المعراج إلى السموات العلا، في جزء من ليلة واحدة، ليس خرقا للعقل، بل خرق للعادة، والفرق بينهما دقيق لكنه عظيم، فالعقل يسلم بأن الله إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
كما من الدروس التربية الايمانية، فالمؤمن يربى على انه يقيد قدرة الله بما اعتاده الناس، فكم من كرب يراه الناس مستحيلا، وهو عند الله يسير، وأيضا الإيمان بالغيب والتسليم للنصوص، فحادثة الإسراء والمعراج كانت ميزانا فارقا بين الإيمان الحقيقي والإيمان المتزلزل، فالعقول قد تقف، لكن القلوب المؤمنة لا تتردد، قال تعالى (الذين يؤمنون بالغيب)، فالإيمان ليس مبنيا على التجربة والمشاهدة فقط، بل على التصديق بخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وتابع: ومن الدروس التربية العقدية، حيث نربي أنفسنا وأبناءنا على أن النص إذا ثبت، فالتسليم أولى من الجدل، وأن العقل خادم للوحي لا حاكم عليه، وفيه تكريم النبي صلى الله عليه وسلم وعلو منزلته، فالإسراء والمعراج إعلان رباني عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رفعه الله فوق السموات، وأراه من آياته الكبرى، وكلمه، وشرفه بما لم يشرف به غيره، كما فيه منزلة الصلاة وعظم شأنها وانها عمود الدين وسر الثبات، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج «فرضت علي خمسون صلاة ثم خففت الى خمس» مما يدل على بيان سعة رحمة الله وعظم فضله على هذه الأمة، لذلك التكاليف الشرعية قائمة على اليسر لا العنت وعلى الرحمة لا المشقة.
فإن مع العسر يسرا
وأضاف: من الدروس عدم اليأس مهما اشتدت المحن، فليحسن المسلم الظن بالله، ومنها الثبات على الدعوة وعدم اليأس، وهذا درس للدعاة المسلمين، من اراد نصرة الدين فليوطن نفسه على الصبر، وان التربية على الصدق واليقين كما كان موقف الصديق حين اخبر بخبر الإسراء قال: ان كان قال فقد صدق، وفيه تعظيم شأن المسجد الاقصى، حيث ربط الله بين المسجد الحرام والمسجد الاقصى في آية واحدة، كما فيه دليل على وحدة رسالة الأنبياء لإمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء في الصلاة اعلان ان الدين واحد وان التوحيد هو جوهر الرسالات.
وختم: فالإسراء والمعراج مدرسة ايمانية كبرى تعلمنا ان الايمان يبنى على التسليم واليقين، وان الصلاة سر الرفعة والتثبيت، وان الشدائد مقدمة للمنح، ومن صدق مع الله رفعه الله في الدنيا والآخرة.