في زوايا البيوت الدافئة، تتناثر مشاهد الحنان كعطر مسكوب، أب يحتضن ولده بعد عودته من المدرسة، وأم تمسح دمعة صغيرها حين تتعثر قدماه في بدايات الطريق، وفي خضم هذه المشاهد، يسري سؤال تربوي عميق، قد لا ينطق به، ولكنه يهمس في جنبات الضمير: هل كل حب نمنحه لأبنائنا حب يصلحهم، أم أن في ثنايا بعض الحب ما يفسد، ويضعف، ويهدم البناء من الداخل؟
الحب فطرة، والدلال سلوك، الحب ضرورة، والدلال خيار، والحب يؤسس على الوعي والتقوى يثمر أبناء أقوياء، يعرفون للوالدين قدرا، وللحدود حرمة، أما الدلال حين يتحول الى إعفاء دائم من العواقب، وتلبية فورية لكل رغبة، فإنه لا يخرج إلا نفسا مدللة، مترفة، قد تفتن بأهوائها وتضيع مع أول عاصفة مسؤولية.
وقد أحسن الإمام علي رضي الله عنه حين قال: «لا تؤدب ولدك ليكون مثلك، فقد خلق لزمان غير زمانك»، وهو قول يذكرنا بضرورة التربية الواعية التي تواكب الزمان وتدلل الطفل بحسب أهواء المكان.
في بيت النبوة، كانت يد النبي صلى الله عليه وسلم تربت على رؤوس أحفاده، يقبل الحسن ويمازح الحسين، ويطيل السجود من أجل طفل صعد على ظهره الشريف، ولكن في ذات البيت، كان يقول: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»، مشيرا الى التوازن بين الرحمة والحزم.
إنها التربية بالمحبة المؤطرة بالحد وبالرحمة التي لا تذيب الشخصية، بل تبنيها على نور من العاطفة، وسياج من الهيبة، وميدان من المسؤولية، فالحب في التربية ليس تنازلا، بل تكليفا، وليس إلغاء للواجب، بل الرافعة التي تعلق الطفل على أعمدة المجد والجد.
إن الأب الذي يحب ابنه بحق، لا يحميه من كل ألم، بل يدربه على الصبر، والأم التي تحب بنتها صدقا، لا تغسل عنها كل متاعبها، بل تعلمها كيف تنظف شوائب دربها بنفسها، الحب الحقيقي ان تقول لابنك: «أنا أحبك، ولذلك سأدعك تجرب، وتخطئ، وتتحمل، وتتعلم»، لا أن تكون عكازا دائما له يكسره إن فارقه.
في سير الصالحين، نجد الخليفة عمر بن الخطاب يوصي ابنه عبدالله بالتقوى في وصية تهتز لها القلوب، ويقول له: «حاسب نفسك قبل ان تحاسب، وزن نفسك قبل ان توزن»، ولم يمنعه حبه لابنه من ان يخضعه لما يخضع له سائر الناس من مسؤولية، وفي روايتنا التربوية، نقرأ كيف ربى العلماء أبناءهم على الصبر، والرجولة، وتحمل الأذى، مع ما في قلوبهم من حب جارف، يترجم بدعاء في السحر، وبدمعة خفية على الوسادة، لا بتمرير الخطأ وتزيينه.