شهر شعبان يغفل الناس عن العبادة فيه لوقوعه بين شهرين عظيمين هما رجب الحرام ورمضان المعظم، وفيه قال الرسول صلى الله عليه وسلم «ذلك شهر يغفل عنه الناس»، وهو شهر يعتبر بمنزلة البوابة التي تدخلنا الى شهر رمضان الذي تفتح فيه ابواب الجنة وتغلق ابواب النار. وشعبان هو تدريب رباني للطاعة في رمضان، فليحرص المسلمون فيه على الصوم وقراءة القرآن وسائر العبادات ليكون لنا دفعة قوية لمزيد من الطاعة والخير في رمضان.
في البداية، يوضح د.خالد الخراز اهمية شهر شعبان وكيف تكون ايامنا في شعبان فيقول: شهر شعبان محطة ايمانية عظيمة، يغفل عنها كثير من الناس، مع انها من اعظم مواسم الاستعداد لشهر رمضان المبارك، هو شهر تتربى فيه القلوب، وتهذب فيه النفوس، وتراجع فيه المسارات، قبل ان ندخل ضيافة الشهر الكريم، هذا الشهر يغفل عنه الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال الى رب العالمين، فأحب ان يرفع عملي وانا صائم» (رواه النسائي). وهذا الحديث وحده كاف ليوقظ القلب: من الغفلة وفرصة للمنيبين، وفيه ترفع الاعمال وفرصة للمجتهدين، والصيام فيه زاد للروح قبل رمضان، وايام شعبان تمر سريعة وهو شهر التهيئة لا التراخي، ومن الخطأ ان يجعل كشعبان شهر فتور او التسامح فيه بالمعاصي، بل هو تمرين على الطاعة قبل رمضان، وفرصة لمراجعة العلاقة مع القرآن، واحياء للسنن المهجورة، وفيه تصالح مع النفس ومع الله بالتوبة النصوح. وكانت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته اكثر صياما منه في شعبان» (متفق عليه). والسؤال: كيف تكون ايامنا في شعبان؟
1ـ العاقل يجعل حياته حياة يقظة لا غفلة، يستشعر قرب العرض على الله، فيجتهد في اصلاح النية، ويكثر من الاستغفار، وتجديد التوبة، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا).
2 ـ حياة عبادة متدرجة فيها التوازن فلا ننتظر رمضان لنبدأ، بل تكون التوبة على الفور، نزيد من الصيام النافلة حسب الاستطاعة حسب المشروع، ونثبت على ورد من القرآن، ونحافظ على القيام ولو بركعتين ثم الوتر، ثم لا نغفل عن البر وصلة الرحم، وعيادة المرضى، واصلاح ذات البين، فمن دخل رمضان بلا تمهيد دخل متعبا، ومن دخله مهيأً دخله مشتاقا ومتزودا.
3 ـ حياة تصفية للقلوب، ورد ان الله يطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده، إلا لمشرك او مشاحن. فهي فرصة لترك الخصومات، ولتصحيح العلاقات الاسرية والجيرة، ولتنقية الصدور، اخي الودود: شعبان جسر لا يهمل، شعبان ليس شهرا عابرا، بل جسر الى رمضان، ومن احسن العبور وصل بقلب حاضر، ونفس مطمئنة، فإذا اردنا لرمضان ان يغير حياتنا فلنبدأ التغيير من شعبان، ومن عظم شعائر الله عظمه الله في وقته وعمره، قال الناظم:
يا غافلا شعبان شد رحاله والبدر عاد كما تراه هلالا
سارع بتوبتك النصوح ولا تكن متهاونا في أمره مكسالا
شهر الخير
من جهته، قال د.محمد ضاوي العصيمي: في هذه الايام، نعيش زمن توطئة وتقدمة لشهر الله المعظم، شهر البركة والخير، شهر رمضان، وهذا الشهر كان متميزا في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اكثر ما كان يحرص عليه في هذا الشهر من العبادات عبادة الصوم.
فالصوم له تميز في كثرة الحسنات وكثرة الاجور، فقد جاء في صحيح مسلم «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى (إلا الصوم فإنه لي وانا اجزي به)».
وهذا الفضل عام في الصوم مطلقا، فكيف اذا وقع الصوم في زمن فاضل كرمضان وشعبان، كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه، وعن اسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من شهور السنة ما تصوم في شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الاعمال الى رب العالمين، واحب ان يرفع عملي وانا صائم»، وقالت عائشة: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر اكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه الا قليلا، بل كان يصومه كله. (متفق عليه).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يطلع الله الى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك او مشاحن.
وهذه الشحناء فسرها الاوزاعي بمن في قلبه بغض لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن رجب: ولا ريب ان هذه الشحناء اعظم جرما من مشاحنة الاقران بعضهم بعضا، وقال الاوزاعي في كلام آخر له: المشاحن كل صاحب بدعة فارق عليها الامة، وقال ابن رجب: افضل الاعمال سلامة الصدر من انواع الشحناء كلها، وافضلها السلامة من شحناء اهل الاهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الامة وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم او تبديعهم وتضليلهم، ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين وإرادة الخير لهم ونصيحتهم، وان يحب لهم ما يحب لنفسه، ولهذا عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد».
هذا بعض ما جاء في فضل صيام هذا الشهر، وقد تكلم اهل العلم واحصوا ما جاء في سبب صوم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشهر على وجه الخصوص، ومن هذه الحكم انه شهر غفلة من الناس، فالناس في الغالب يصبح عندهم رصيد ايماني بعد شهر رمضان، وكطبيعة كل نفس بشرية، وانها تضعف وتفتر، فجاء هذا الشهر موقظا للهمة من الغفلة، فالذكر في زمن الغفلة افضل من غيره، قال بعض السلف: ذاكر الله بين الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس. وقد ذكر بعض السلف في قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ـ البقرة: 251)، قالوا: لولا دفعه عن العصاة بأهل الطاعة لفسدت الارض.
شهر غفل الناس عنه
وتابع: ومن الحكم في صيام هذا الشهر التمرن والاستعداد لصيام شهر رمضان، فإن من لم يعتد الصوم يصبه شيء من المشقة، لا سيما في اوله، ومن الحكم ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم انه شهر ترفع فيه الاعمال الى الله عز وجل، فالأعمال لها وقت ترفع فيه، وانه بمنزلة الراتبة قبل الفريضة لاسيما بعد الوقت الطويل. ونبه د.محمد ضاوي العصيمي من ان الناس في شهر شعبان بين غال فيه وجاف عنه، والسنة في شعبان هو الاكثار من صيامه كما جاء عن عائشة رضي الله عنها: وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر اكثر منه صياما في شعبان.
وعما جاء في فضل ليلة النصف من شعبان كحديث «يطلع الله الى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه الا لمشرك ومشاحن»، اكد العصيمي ان الصحيح انه ليس في الحديث دليل على احياء ليلة النصف من شعبان او اقامة المحاضرات والموالد او الذكر، فكل هذا مما لا اصل له، قال شيخ الاسلام: وليلة النصف من شعبان قد روي في فضلها من الاحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي انها مفضلة، اما ما احدثه الناس من اتخاذه موسما تصنع فيه الاطعمة وتظهر فيه الزينة، فهذا مما لا اصل له.
فضائل شهر شعبان
من جانبها، توضح الشيخة د.هيا بنت سلمان الصباح جملة من احكام شعبان، فتقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في شعبان ما لا يصومه في غيره من الشهور، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر اكثر صياما منه في شعبان.
وتابعت: رجح طائفة من العلماء، ومنهم ابن المبارك وغيره، ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان وانما كان يصوم اكثره، وقال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - في صيام شعبان: هي بمنزلة الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فتلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض.
وزادت: من كان عليه قضاء من رمضان ودخل عليه شعبان فالواجب عليه الاسراع في الصيام لأداء ما عليه من قضاء، فالزمان يسير ولا نعرف متى يكون الرحيل.
وعن حديث علي بن ابي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها»، فهذا حديث موضوع، ولا يعرف للإمام احمد كلام في ليلة النصف من شعبان. وردا على سؤال لماذا شهر شعبان خُص بالتفضيل، قالت د.الصباح: انه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهذا دليل على استحباب عمارة زمن الغفلة، كما انه اشق على النفوس لأنه يؤدي الصيام في موطن غفلة الناس، وكذلك المنفرد في الطاعة بين اهل المعاصي والغفلة قد يدفع به البلاء عن الناس، وايضا ان صيام شهر شعبان فيه تمرين على صيام رمضان وانه يذوق فيه حلاوة الصيام ولذته فيدخل رمضان بنشاط ولهفة. وأضافت: يا من فرط في الأوقات الشريفة وضيعها، وأودعها الاعمال السيئة وبئس ما استودعها، أفق من الغفلة والمنام واستدرك الحال لحسن المآل.
مضى رجب وما أحسنت فيه
وهذا شهر شعبان المبارك
فيا من ضيع الاوقات جهلا
بحرمتها افق واحذر بوارك
وختمت بقولها: قال بعض السلف: أفضل الاعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة، وبهذه الخصال بلغ من بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة، واوصيكم بالاقبال على الطاعات بسلامة الصدور، وسماحة النفوس، واحسان السرائر والاجتهاد لما هو قادم.