ونحن بين يدي سورة الممتحَنة. ومن قال «الممتحِنة» فأيضا قد أصاب؛ لأنها تُقال «الممتحنة» بكسر الحاء نسبة إلى المرأة، أم كلثوم رضي الله عنها، الصحابية ابنة ابن ابي معيط، أشقى الناس، هذا الكافر العاتي في كفره وفي أذيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من صلبه هذه المرأة الصالحة التقية الصحابية العظيمة. فمن قال «الممتحنة» يكون الأمر عائدا إليها، ومن قال «الممتحنة» كما قيل عن (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1، «المقشقشة» انها تمتحن الناس، أنها فيها الاختبار، السورة بأكملها، فيجوز القول بالفتح ويجوز القول بالكسر، وأغلب أهل التفسير الذين قرأت لهم على الكسر، والله تعالى أعلم. فالحمد لله الأمر فيه سعة. وكما تعلمون أسماء السور توقيفية من الله عز وجل، ليس لنا أن نبتدع فيها ولا أن نقول فيها، ولا نسميها بأسماء لم يسمها.
سبب النزول
ذكر كثير من المفسرين، (رحمهم الله)، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا (شكا ونفاقا)، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب.
وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة اليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر الى عدوه، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعادة من عاداه، فإنه عدو لله، وعدو للمؤمنين.
بنود جائرة
نزلت السورة بعد صلح الحديبية وقبيل فتح مكة. وقد كان في صلح الحديبية بنود جائرة، تقول: إذا أسلم الرجل في مكة وجاء إلى المدينة فعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده الى مكة، لا يستقبله، والمسلم إذا ارتد والعياذ بالله يستقبلونه ولا يردونه، فكانت الشروط جائرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها، وفي قبولها بين الله عز وجل كيف كان الخير في هذا الشرط، فإن الصحابة الكرام الذين لم يستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة أصبحوا شوكة في خاصرة المشركين في مكة يقطعون عليهم طريق تجارتهم وأموالهم، حتى جاءوا يقولون: خذوهم، فلم يفتقد صلى الله عليه وسلم. فهذه هي خلفية الصلح، وقد جعل الله عز وجل في هذا الصلح خيرا كثيرا، فقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن ينشروا الدعوة وأن يبلغوا الناس، فكان خيرا عميما ولله الحمد.
لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
يقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) مر بنا الولاية في السور التي قبلها، تذكرون عندما تكلمنا عن خيبر وقلنا إن المنافقين قالوا لهم: إن أخرجتم نخرج معكم، وإن قُوتلتم نقاتل معكم، ونحن نحفظكم وننصركم، ولكنهم طبعا خذلوهم، فالكافرون يتخذون المنافقين أولياء، والمنافقون يتخذون الكافرين أولياء، لكن المسلمين انتماؤهم لدين الإسلام، لذلك نهى الله عز وجل عن اتخاذ العدو في العقيدة وليا من دون المؤمنين. قال عز وجل: (تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) الممتحنة:1 هذه الآية الكريمة نزلت وقد كان لها سبب نزول، ولكن العبرة كما يقولون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن الاطلاع على الأسباب يزيد من فهم هذه الآية.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)