يختتم مؤتمر ميونيخ للأمن أعمال النسخة الـ 62 اليوم بعد مشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة ونحو 100 وزير دفاع وخارجية. وبدا واضحا أن المؤتمر، الذي يعد أحد أبرز المؤتمرات العالمية في مجال السياسة الأمنية، يعقد هذا العام في لحظة حساسة من تاريخ القارة الأوروبية، هيمنت عليها ملفات أبرزها العلاقة بين ضفتي الأطلسي فضلا عن الحرب الأوكرانية وغزة وسورية وباقي الملفات الأمنية، وشهدت أروقته سلسلة من الاجتماعات واللقاءات بالغة الأهمية.
وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة وأوروبا «قدرهما أن تكونا معا»، مشددا على أن واشنطن لا تهدف ولا ترغب في إنهاء التحالف عبر المحيط الأطلسي.
وحاول الوزير الأميركي إرسال رسائل طمأنة للحلفاء الأوروبيين خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن أمس. وقال «إننا على يقين بأن مصير أوروبا لن يكون يوما غير مترابط مع مصيرنا»، مؤكدا «نريد أن تكون أوروبا قوية. نؤمن بأن أوروبا يجب أن تستمر».
وعاد روبيو خلال كلمته، إلى تاريخ انطلاق المؤتمر، وقال: «نجتمع هنا كأعضاء في تحالف تاريخي، تحالف أنقذ العالم وغير مجراه».
واعتبر أنه عند بداية مؤتمر ميونيخ للأمن في العام 1963 كانت هناك قارة منقسمة على نفسها، وأن «الخط الفاصل بين الشيوعية والحرية كان يمر عبر قلب ألمانيا».
وأضاف: «في ذلك الوقت كانت الشيوعية السوفييتية في تقدم، وآلاف السنين من الحضارة الغربية كانت على المحك»، مشيرا إلى أنه في ذلك الوقت «لم يكن النصر مؤكدا لكننا كنا مدفوعين بهدف مشترك. لم نتحد فقط من أجل ما نقاتل ضده، بل اتحدنا لما نقاتل من أجله».
وتابع روبيو «لا نسعى إلى الانفصال، بل إلى تحفيز صداقة قديمة وتجديد أعظم حضارة في تاريخ البشرية»، مؤكدا أن «ما نريده هو تحالف متجدد القوة».
وأعلن أن واشنطن تريد في عهد الرئيس دونالد ترامب أن تقود «التجديد والترميم» العالميين. وقال «الولايات المتحدة مدفوعة برؤية لمستقبل فخور وذي سيادة وحيوية تضاهيان ماضي حضارتنا». وأضاف «بينما نحن مستعدون، إذا لزم الأمر، للقيام بذلك بمفردنا، فإننا نفضل ونأمل أن نفعل ذلك معكم، مع أصدقائنا هنا في أوروبا»، معتبرا أن المؤسسات العالمية المنبثقة عن «النظام الدولي القديم» يجب أن يعاد «إصلاحها» و«إعادة بنائها».
وقال روبيو للقادة الأوروبيين المشاركين في المؤتمر إن «نهاية الحقبة عبر الأطلسي ليست هدفنا ولا رغبتنا». وأضاف: في وقت تتحدث العناوين عن نهاية الشراكة عبر الأطلسي يجب أن يكون واضحا للجميع أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى ذلك ولا تتمناه.
وأردف قائلا: «بالنسبة لنا كأميركيين قد يكون موطننا في النصف الغربي من الكرة الأرضية، لكننا سنبقى دائما أبناء لأوروبا».
واستعرض الروابط الوثيقة بين أوروبا والولايات المتحدة مستندا إلى التاريخ المشترك، مشيرا إلى أن قصة أميركا بدأت برحالة إيطالي، وأن أولى المستعمرات أنشأها مستوطنون إنجليز، وأسهم في تشكيلها اسكتلنديون وإيرلنديون، إضافة إلى مزارعين ألمان.
وقال إن الولايات المتحدة «ترسم مسار قرن جديد من الازدهار»، لكنها تريد أن تسلك هذا الطريق بالشراكة مع أوروبا.
وشدد وزير الخارجية الأميركي في خطابه الذي كان محل ترقب كبير، على أن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى الانفصال، بل إلى إحياء صداقة قديمة».
وأشار إلى أن واشنطن لا تريد من الحلفاء تبرير الوضع القائم المختل، بل مواجهته والعمل على إصلاحه.
كما تطرق إلى الملفات المهمة على الساحة الدولية، معتبرا أن الأمم المتحدة لم تلعب «عمليا أي دور» في تسوية النزاعات، داعيا إلى إصلاح المؤسسات الدولية.
وقال روبيو إن «الأمم المتحدة ما زال لديها إمكانات كبرى لتكون أداة للخير في العالم»، مضيفا «لكن لا يمكننا التغاضي عن أنها اليوم لا أجوبة لديها بشأن المسائل الأكثر إلحاحا المطروحة علينا، ولم تلعب عمليا أي دور. لم يكن بوسعها إيجاد تسوية للحرب في غزة».
كما أشار إلى الحرب الأوكرانية، وقال روبيو إن الملفات المرتبطة بأوكرانيا التي تحتاج إلى تسوية أصبحت أكثر تحديدا من ذي قبل، لكنها تتركز الآن على أصعب القضايا وأكثرها تعقيدا.
وردا على سؤال خلال جلسة نقاش بشأن أزمة أوكرانيا عقب إلقاء كلمته في المؤتمر، قال روبيو إنه لا يمكن الجزم بأن الجانب الروسي غير مهتم بالمفاوضات، مضيفا أن موسكو تعلن استعدادها للحوار، لكن يبقى التحدي في معرفة الشروط التي قد تقبل بها، وما إذا كان بالإمكان التوصل إلى صيغة ترضي أوكرانيا ويمكن لروسيا الموافقة عليها.
كما كشف عن إحراز «تقدم» في المحادثات، مع توقع عقد جولة جديدة من المناقشات، الثلاثاء المقبل.
من جهتها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أن أوروبا التي اعتمدت على الولايات الأميركية في مجال الدفاع لعقود عليها حاليا «رفع مستوى أدائها» و«تحمل مسؤولياتها».
وأكدت فون دير لايين خلال المؤتمر أن «أمن أوروبا لم يكن يعتبر دائما مسؤوليتنا الأساسية، لكن الأمر تغير جذريا»، مشيرة إلى أن أوروبا القوية «تعني تحالفا أقوى عبر الأطلسي».
واعتبرت أنه لتحقيق ذلك على أوروبا «التحرر من كل المحظورات»، مشيرة تحديدا إلى استخدام «بند الدفاع المشترك»، وهو التزام جماعي من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لعدوان.
بدوره، حض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أوروبا على الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة على الصعيد الدفاعي.
وجاء في كلمة نشرتها رئاسة الحكومة «أتحدث عن رؤية للأمن الأوروبي وعن قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية»، من دون أن يعني ذلك انسحابا أميركيا «بل تلبية لنداء يدعو إلى تقاسم أكبر للأعباء ويعيد صياغة الروابط».
وأضاف ستارمر «كما أرى الأمر، أوروبا عملاق نائم. اقتصاداتنا تفوق اقتصاد روسيا بعشر مرات.. لدينا قدرات دفاعية هائلة».
واعتبر أنه «لا أمن بريطانيا بدون أوروبا، ولا أمن أوروبيا بدون بريطانيا. هذا هو درس التاريخ، وهو واقع اليوم أيضا».
من جانبه، اعتبر وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن أوروبا يجب ألا تكون مجرد «متفرجة» في المحادثات الجارية سعيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، فيما يتوقع عقد جولة جديدة من المفاوضات بعد ايام.
وقال وانغ متحدثا ان «الحرب تجري على الأرض الأوروبية، ولأوروبا بالتأكيد الحق في المشاركة في عملية التفاوض عندما يحين الوقت. يجب ألا تكون أوروبا مدرجة على القائمة، بل أن تجلس إلى الطاولة».
أمين عام حلف «الناتو»: لا أحد في أوروبا يدعو لاستبدال المظلة النووية الأميركية
قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته إنه لا أحد في أوروبا يسعى لاستبدال المظلة النووية الأميركية، وذلك بعد أن أعلنت ألمانيا أنها تجري محادثات مع فرنسا بشأن قدراتها الردعية النووية.
وصرح الأمين العام لـ «الناتو» للصحافيين على هامش مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية».
وأضاف «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها».
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد صرح في اليوم الاول من مؤتمر ميونيخ للأمن بأنه «أجرى محادثات مغلقة مع الرئيس الفرنسي حول الردع النووي الأوروبي».
كما قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن بلاده «تعزز تعاونها النووي مع فرنسا».