نجد غالبية المسلمين يتفننون في إعداد موائد الطعام بكل ما لذ وطاب، ويفيض الكثير من الأطعمة التي يكون مصيرها صناديق القمامة، وخاصة في شهر رمضان المبارك الذي يكون فيه الإسراف في الأطعمة والأشربة بشكل ملحوظ.
يقول الباحث الشرعي م.سالم الناشي:
الأصل في تناول الطعام بناء الجسم وتقويته على الطاعة، وتعويض ما يندثر من أنسجته، وتوفير الطاقة اللازمة لكي يستمر ويعمل بنشاط وهمة، فالغذاء وسيلة لا غاية في الإسلام، فدعا إليه القرآن، قال تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)، وجعل الله في الإنسان ميلا ولذة للطعام.
وأكد أن شهر رمضان كما هو معلوم هو فرصة للصبر والتقوى، وتجنب التبذير، إلا أن البعض قد يحول شهر رمضان إلى شهر أكل وشرب، فيستهلك خلاله أضعاف ما يستهلكه في الشهور الأخرى. ومن المعلوم أن الاعتدال في أمر الطعام والشراب هو المقصد الذي ذهبت إليه الآية الكريمة (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، ففي هذه الآية دعوة للإنسان إلى الطعام والشراب، ثم يأتي التحذير مباشرة من الإفراط في ذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة».
ويعرف الناشي الإسراف بأنه: «مجاوزة حد الاستواء، فتارة يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام، وتارة يكون بمجاوزة الحد في الإنفاق، وقد يكون في الأكل فوق الشبع. وقال القرطبي في تفسير ولا تسرفوا (أي في كثرة الأكل)، وعنه يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير، فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. قال صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة».
قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس»، قال ابن رجب: «وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها». وقلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك.
وسئل ابن عثيمين - رحمه الله - عن الإفراط في إعداد الأطعمة للإفطار هل يقلل من ثواب الصوم؟ فأجاب: «لا يقلل من ثواب الصيام، والفعل المحرم بعد انتهاء الصوم لا يقلل من ثوابه، ولكن ذلك يدخل في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) فالإسراف نفسه محظور، والاقتصاد نصف المعيشة، وإذا كان لديهم فضل فليتصدقوا به فإنه أفضل».
ضرورة الاعتدال
من جهته، يقول د.محمد البراك: الإسراف والتبذير من المعاصي والذنوب التي ذمها الله تعالى ونهانا عنها، فقال تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) (الأعراف: 31)، وقال سبحانه وتعالى: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا) (الإسراء: 26-27)، والإسراف هو الإنفاق الزائد عن الحاجة في الحلال، والتبذير هو الإنفاق في غير حق وفي معصية، فهذه الآيات تنهانا عن الإسراف والتبذير، وتحثنا على الاعتدال والوسطية في الإنفاق والطعام والشراب.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة» (رواه النسائي وابن ماجه، وكان ابن عباس يقول: «كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدا إلى الاعتدال في المأكل والمشرب: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلا لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه» (رواه النسائي والترمذي).
وبين أن الإسراف في رمضان أصبح ظاهرة بين الأغنياء والفقراء، وآفة من آفات العصر ينبغي البعد عنها والتخلص منها، فالغاية من الطعام والشراب هي التقوي على العبادة وطاعة الله عز وجل، والفوز برضوانه والعتق من نيرانه.
ومن حكمة مشروعية الصيام الشعور بالفقراء والمساكين والمحتاجين، وتذكر حقوقهم على الأغنياء، وليدفعنا ذلك لنزكي أنفسنا ونطهر قلوبنا ونزداد تقوى وقربا من الله عز وجل، وبذلك يكون الصوم عبادة ربانية فيها تدريب النفس على الصبر والسكينة ورفع الهمة والعزيمة، وكبح هوى النفس عن المباحات والتقليل منها لنكون بعد رمضان أقدر على البعد عن المحرمات.
وزاد: فعلينا أن نحذر من الإسراف في إقامة الولائم والتنافس في أنواع الطعام والشراب، وألا نجعل شهر العبادة والصيام موسما سنويا للأكل والتباهي والتفاخر بكثرة أصناف الطعام والشراب مما يجعل الفقراء يزدادون شعورا بالجوع وضيق ذات اليد والحاجة، ولا يجدون من يعطف عليهم ويسد رمقهم ويقضي حاجاتهم. كما علينا أن نبتعد عن مظاهر الإسراف في شهر رمضان ككثرة التسوق بشراء كميات كبيرة من الطعام والشراب واللباس والزينة للمنازل بكميات زائدة عن الحاجة.
فقد كان رمضان يمر على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه باليسير من المؤونة والطعام، لأنهم كانوا يهتمون بصرف الجوارح إلى فضائل العبادات في هذا الشهر، ويعتنون بصفاء النفس، وبذلك تسمو الروح وتحصل تقوى الله تعالى التي هي الغاية من شهر رمضان.
التهابات بالمعدة
وبين د.خالد الصالح أثر التخمة على جسد الإنسان فيقول:
من أكثر المشكلات الصحية اضطرابات الجهاز الهضمي التي يصاب بها كل إنسان في حياته ولو مرة واحدة، كما يصيب عسر الهضم على الأقل 8% من مجموع السكان وتزيد المشكلة ونسب المرض لدى الشعوب صاحبة العادات الغذائية السيئة، وفي شهر رمضان بالذات تزيد شدة هذه الاضطرابات وما يصحبها من عسر هضم شديد نتيجة خلل في حركة الجهاز الهضمي، ونتيجة التهام كميات كبيرة ومتنوعة من الأغذية الدسمة والسكريات واللحوم.
وينصح د.الصالح بعدم التهام كميات كبيرة من الطعام، حيث إن ذلك يزيد من أعراض عسر الهضم والحموضة وحرقة الصدر، كما يجب على الصائم الابتعاد عن الدهون والإقلال من تناول السكريات والعصائر المركزة؛ لأن هذا يتسبب في زيادة عسر الهضم والارتجاع الحامض وانتفاخ البطن. كما نصح د.الصالح الصائمين بإعطاء المعدة الفرصة الكافية لإفراغ محتوياتها إلى الامعاء، وهذا يستغرق ما بين 3 - 5 ساعات حسب طبيعة كل إنسان ونوعية الطعام الذي يتناوله، حيث تستغرق المواد الدهنية والأطعمة الدسمة فترة أطول في المعدة من تلك المحتوية على مواد سكرية ونشويات، مما يعطي شعورا بالامتلاء الشديد ولفترات طويلة عقب تناول كميات كبيرة من الأطعمة الدهنية، وبالذات لدى مرضى الكبد والجهاز المراري، حيث يشعر المريض بضغط الأكل في أعلى البطن، وقد يشعر المريض بصعوبة في التنفس إذا كانت الوجبة كبيرة، وبالتالي فإن عدم انتظام الوجبات أو تناول كميات من الأكل بصورة مفاجئة مثل إفطار رمضان الذي يكون عقب فترة صيام طوال اليوم يزيد الإحساس بأعراض عسر الهضم.