ما أجمل الوفاء بين الزوجين برد الجميل وحسن العشرة، وعدم نسيان الفضل، وأعظم الخلة التي تكون بين الزوجين، وحسن العهد من الإيمان، وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحب خديجة رضي الله عنها ويذكر لها فضلها وسابقتها، ويكثر من الثناء عليها، وإذا رأى شيئا من الأشياء التي تذكره بها يرق لذلك وما ذاك إلا حبا فيها.
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة ادخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك القلادة رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا» فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليه الذي لها. رواه الحاكم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي صديقاتها وخلائلها حبا فيها، والخلائل جمع خليلة وهي الصديقة، ومن أحب شيئا أحب محبوباته وما يشبهه وما يتعلق به.
تقول عائشة رضي الله عنها: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة (وما رأيتها) وإني لم أدركها، (ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها) قالت: وكان رسول الله إذا ذبح الشاة، (ثم يقطعها أعضاء)، فيقول: «أرسلوا بها إلى صديقات خديجة». قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ (فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟) فقال رسول الله: «إني رزقت حبها» (إنها كانت وكانت)، وكان لي منها ولد». رواه البخاري.
وفي رواية: «وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن». رواه البخاري.
وفي رواية أخرى: «وإن كان ليذبح الشاة ثم يهدي في خلتها منها» رواه البخاري.
فالوفاء بين الزوجين قيمة انسانية واخلاقية عظمى لأنه يرسي دعائم الثقة، ويزيد الثقة بين الزوجين، ويؤكد أواصر التعاون في الاسرة ثم المجتمع، فالوفاء يكون بحسن العشرة، والاحترام المتبادل بينهما، والتعاون في تربية الابناء التربية الصالحة، وقيام كل زوجين بالحقوق تجاه الآخر.
والوفاء أكثر ما يختص بالإنسان، فمن فقد فيه (الوفاء) فقد انسلخ من الانسانية، وقد جعل الله تعالى العهد من الايمان وصيره قواما لأمور الناس، فالناس مضطرون الى التعاون ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء به، ولولا ذلك لتنافرت القلوب، وارتفع التعايش. ولذلك عظم الله تعالى الوفاء فقال: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) البقرة: 40.
لا تقبلن سوى الوفاء فإنه
كان الوفي على المدى محمودا
وانثر عطورا للفضائل كلها
كن كالضياء على الأنام شهيدا