عبدالحميد الخطيب
لا يقدم الكاتب علي شمس في مسلسل «متاهة» حكاية جريمة تقليدية، لكنه يضعنا أمام مشاعر إنسانية متضاربة من سعادة وخوف، وطمع واكتفاء، وضعف وقوة، مستندا إلى أجواء فترة التسعينيات ليبني «حبكة» متماسكة تتحرك فيها الشخصيات في خطوط معقدة مليئة بالمفاجآت.
جريمة قتل
تبدأ القصة بوقوع جريمتي قتل عدنان (خالد أمين) ومشاري (حسن المطوع) كمدخل لتفكيك الأحداث والشخصيات، حيث يتضح فيما بعد أنهما ليستا جريمتين عابرتين، فمن خلالهما تتشعب الخيوط لنتعرف على نوال (فوز الشطي) المرأة المنهكة بالمرض التي تستغل ضعف حياة (ريم ارحمة) وأزمتها المالية وقرض البنك الذي يهدد ببيع منزلها، إلى جانب مشكلة ابتزاز «مشاري» لابنتها الصغرى حبيبة (رهف العنزي)، فتدفعها الى قتل «عدنان» مقابل مبلغ ضخم من النقود يحل مشاكلها، وتعدها بأنها أيضا ستخلصها من «مشاري».
من جانب آخر، تستدرج «نوال» القاضي جاسم (صلاح الملا) وتحصل على سكين عليها بصماته ليتم اتهامه وحبسه في قضية «عدنان»، لكن تسرق مريم (نور محمود) ابنة «حياة» الكبرى، السكين وتقتل بها «مشاري»، لنتعرف خلال الأحداث على المحامي عبداللطيف (عبدالله التركماني) الذي يقع في مواجهة تهدد حياته مع عصابة لغسل الأموال يعمل معها هو و«عدنان».
وفي مسار مواز، يتحرك العقيد أحمد (فيصل العميري) والملازم رائد (حسين الحداد) لجمع الأدلة في قضية «عدنان»، بينما يتولى الضابط سالم (عبدالله الزيد) قضية «مشاري»، ويحاولون كشف الملابسات وفك الارتباط بين الجريمتين، لكن الأدلة الظاهرة تشير إلى تورط «القاضي جاسم» في قتل «مشاري» لوجود بصماته على السكين في حين يظهر وقت وقوع الجريمة في تسجيلات كاميرات المراقبة بالقرب من شقة «عدنان».
الشك واليقين
وسط كل هذه الأحداث، تضيع «حياة» بين الشك واليقين وتصل إلى مرحلة تظن فيها انها تتوهم وجود «نوال» إلى أن تعرف داخل مركز السرطان الذي تعالج فيه ان الممرضة «فاطمة» هي نفسها «نوال»، لكن تتضح الصورة لاحقا عندما تكتشف ان «نوال» أو «فاطمة» ليست سوى «سارة» ابنة عيسى (عبدالمحسن القفاص) الذي مات في السجن وهي صغيرة بعد أن خدعه «عدنان» وورطه في قضية لا ذنب له فيها، وقام «القاضي جاسم» بالحكم عليه ظلما بالحبس خمسة عشر عاما، بينما كان محاميه وقتها هو «عبداللطيف» الذي أخفى الأوراق التي تثبت براءته، فجريمة قتل «عدنان» لم تكون سوى انتقام تقوده «سارة» لأخذ حق والدها ممن غدروا به.
طابع بوليسي
يحافظ المخرج محمد دحام الشمري، على الأجواء الغامضة التي تتناسب مع الطابع البوليسي للعمل مع اهتمام واضح بالتفاصيل بدءا من مسرح الجريمة ثم مسار التحقيق ولوكيشنات المستشفى والبيوت، ويتحكم بذكاء في الإيقاع المتصاعد في كل حلقة، ويساعده الأداء المتقن للنجوم المشاركين في البطولة، حيث يأتي أداء فوز الشطي هادئا دون مبالغة في شخصيات «نوال زوجة عدنان» و«فاطمة الممرضة» و«سارة ابنة عيسى»، وتظهر إمكانات كبيرة في المواقف التي تحمل أبعادا نفسية.
ويقدم فيصل العميري بحرفية عالية شخصية رجل القانون الذي يعشق عمله ويحاول ان يؤدي واجبه إلى آخر لحظة في حياته العملية، كما تبرع ريم ارحمة في شخصية «حياة» فهي تجسدها بتقمص شديد وحضور طاغ، ويقدم عبدالله التركماني دور «المحامي عبداللطيف» بتميز لافت كعادته، فيما يجيد عبدالله الزيد لعب شخصية «سالم» ويقنعنا بأدائه، خصوصا في لحظات انفعاله الحاد، أما بقية الممثلين: رهف العنزي، نور محمود، حسن المطوع، إسماعيل الراشد، هيا الحوطي، أمل محمد، شيخة البدر، علي المهيني، محمد عبدالحسين، باسم الطيب، وغيرهم، إلى جانب ضيوف الشرف: خالد أمين وصلاح الملا وعبدالمحسن القفاص، وأخرون، فجميعهم يقدمون أداء منضبطا يسهم في الحفاظ على إيقاع العمل.
يبقى أن نشير إلى أن «متاهة» عمل متميز في كل عناصره، واسمه لا يشير إلى مكان، بل حالة إنسانية يعيشها البعض الذين يحاولون الخروج من «متاهة» الحياة، لكن تقودهم تصرفاتهم إلى الداخل بسبب قرارات خطأ يرتكبونها.