الرحمة ليست خلقا ثانويا في الإسلام، ولا قيمة تكميلية تستحسن عند الرخاء وتهمل عند الشدة، بل هي روح الشريعة، ولب الرسالة، وعلامة صدق الإيمان، وقد جاء الإسلام في عالم قاس، تحكمه شريعة الغاب، وتسوده العصبية والظلم، فجعل الرحمة أساس العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والناس جميعا.
وما أحوج واقعنا اليوم - مع كثرة القسوة، وحدة الخطاب، وغلظة المعاملة - إلى إعادة إحياء قيمة الرحمة، لا بوصفها شعارا عاطفيا، بل منهجا إيمانيا وسلوكا عمليا يضبط التعامل، ويهذب النفوس، ويقيم العدل، ويصون الكرامة.
أولا: ينبغي أن نعلم بأن الرحمة صفة الله وأصل من أصول الإيمان، فأول ما يواجه المسلم في كتاب الله سورة الفاتحة وفيها الرحمة، إذ افتتح الله كتابه بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم).
ثانيا: الرحمة جوهر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فالرسالة لم تبن على الإكراه، ولا على القهر، ولا على الانتقام، بل على الرحمة والهداية. قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107).
فهو صلى الله عليه وسلم رحمة في دعوته، وفي تعليمه، وفي قضائه، وفي جهاده، في تعامله مع أصحابه وأهله وأعدائه.
ثالثا: الرحمة خلق المؤمن وعلامة صدق إيمانه، لم يجعل الإسلام الرحمة خلقا اختياريا، بل جعلها معيارا للإيمان. قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» رواه الترمذي.
رابعا: تعددت مجالات الرحمة في الإسلام منها: 1- الرحمة في الأسرة: فالزوجة ترحم، والولد يرحم، وكبار السن يرحمون. والقسوة والشدة والعنف داخل الأسرة من أعظم أسباب التفكك، والانحراف، والاضطراب النفسي. 2- الرحمة في التربية لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فظا مع المتعلمين، بل قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» رواه البخاري. فالرحمة في التعليم تنشئ محبين، لا نافرين، فالواجب على المربين والمعلمين أن يتصفوا بهذه الصفة العالية.
3- الرحمة مع غير المسلمين: رحمة الإسلام لم تقتصر على المسلمين، بل شملت كل إنسان. قال صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر» متفق عليه.
خامسا: الرحمة بين الإفراط والتفريط الرحمة في الإسلام ليست فوضى أخلاقية، ولا تساهلا في الباطل، ولا تعطيلا للحدود، فالرحمة: لا تلغي العدل، ولا تبرر الظلم، ولا تميع الحق. قال تعالى في إقامة الحد: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) (النور: 2). فالرأفة المذمومة هي التي تهدم مقاصد الشرع، أما الرحمة المحمودة فهي التي تحقق العدل وتمنع الظلم.
سادسا: أثر الرحمة على الفرد والمجتمع، فالفرد يتحلى ويكتسب: طمأنينة القلب، وسلامة الصدر، ومحبة الناس، ورحمة الله يوم القيامة. أما على المجتمع: فيقل العنف، وتزاد الروابط الاجتماعية، وينتشر العدل، وتستقر الأسرة، وما انتشرت القسوة في مجتمع إلا فشا فيه الظلم، وانهارت القيم، وضاعت الثقة.
إن كنت لا ترحم المسكين إن عدما
ولا الفقير إذا يشكو لك العدما
فكيف ترجو من الرحمن رحمته
وإنما يرحم الرحمن من رحما
الرحمة ليست قيمة نظرية تكتب في الكتب،
أو تنشر في مقال، بل عبادة قلبية وسلوك عملي، تبدأ من معرفة العبد بربه، وتمتد إلى معاملته للناس، وما أحوجنا اليوم إلى: دعاة رحماء، مربين رحماء، وآباء وأمهات رحماء، كما نحن بحاجة إلى خطاب تربوي يجمع بين الحق والرحمة.