الرجوع إلى الله سبحانه يعني الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل، والعاقل هو الذي يرجع الى الحق دائما وأبدا، والرجوع إليه اعتذارا بالتوبة، فنعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الرحيل، والمنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل، قال تعالى: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين) (الروم 31)، فالإنابة صفة الأولياء والمقربين، قال تعالى: (وجاء بقلب منيب) (ق: 33).
والإنابة: هي الرجوع عن كل شيء إلى الله تعالى، كذلك هي الرجوع من الغفلة الى الذكر، ومن الوحشة الى الأنس.
وقيل الإنابة هي: الإسراع إلى مرضاة الله مع الرجوع إليه في كل وقت، وإخلاص العمل له.
وقد تكرر ذكر الإنابة في القرآن مرات عديدة أمرا ومدحا وترغيبا وآثارا جميلة، وهي الرجوع إلى الله، وانصراف دواعي القلب إليه، والحامل عليها الخوف والعلم.
يقسم العلماء الإنابة الى قسمين:
إنابة لربوبيته: وهي إنابة المخلوقات كلها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، قال الله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون) (الروم: 33).
فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر. كما هو الواقع. قال تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) (الزمر: 54).
والإنابة الثانية: إنابة أوليائه: وهي إنابة لألوهيته إنابة عبودية ومحبة، وهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
فلا يستحق اسم «المنيب» إلا من اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة.
قال الناظم:
فرج الفتى ما دام حيا فإنه
إلى خير حالات المنيب يصير
ومن المؤمنين: المنيب إلى الله في أنواع العبادات، فهو ساع فيها بجهده، ودافعه الى ذلك الرجاء ومطالعة الوعد والثواب، ومنهم المنيب إليه بالتضرع والدعاء، وكثرة الافتقار، وسؤال الحاجات كلها مع قيامهم بالأمر والنهي، ومنهم المنيب الى الله عند الشدائد فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار.
وأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة.
ومنزلة الإنابة: قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى: «من نزل في منزل التوبة، وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، فإذا استقرت قدمه في منزل التوبة نزل بعده في منزل الإنابة، وقد أمر الله تعالى بها في كتابه، وأثنى على خليله بها، فقال: (وأنيبوا إلى ربكم) (الزمر: 54)، وقال: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) (هود: 75).
والخلاصة ان العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت» رواه البخاري.
وعدد أصحاب كتاب «نضرة النعيم» فوائد للإنابة منها:
1 - الإنابة الى الله عز وجل دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام.
2 - الإنابة دليل على سلامة النية وحسن الطوية، وعلامة على صلاح العبد وقربه من ربه، وحسن ظن العبد به سبحانه.
3 - الإنابة طريق موصّل إلى الجنة، والعبد المنيب يرزق خشية الله تعالى.
4 - الإنابة منهاج الأنبياء والرسل ومن سار في ركابهم.