بيروت ـ اتحاد درويش
عاصفة التمديد هبت من جديد على مجلس النواب، وبات التمديد لولايته الحالية التي تنتهي في مايو 2026 أمرا محسوما في الجلسة التشريعية التي دعا اليها الرئيس نبيه بري اليوم الاثنين، وعلى جدول أعمالها بند وحيد التمديد لمجلس النواب. وبذلك يكون المجلس قد ضرب الرقم القياسي في التمديد لنفسة على مر تاريخه.
وتناقش الجلسة المفترض عقدها اليوم اقتراحات قوانين تقدم بها عدد من النواب من كتل مختلفة ومستقلين، وجاءت كلها بصيغ مختلفة. ويرمي الاقتراح الأول الذي تقدمت به مجموعة من النواب بصيغة المعجل المكرر إلى تمديد ولاية المجلس بصورة استثنائية تنتهي في 31 مايو 2028، والاقتراح الثاني تقدم به النائب رازي الحاج ويرمي إلى تمديد ولاية المجلس النيابي لمدة ستة أشهر من تاريخ 21 مايو 2026 ولغاية 21 نوفمبر 2026، وتقدم بالاقتراح الثالث نواب تكتل «لبنان القوي» ويرمي إلى تمديد ولاية المجلس لمدة أربعة أشهر، اعتبارا من تاريخ انتهاء ولايته القانونية.
واعتبرت الأسباب الموجبة التي أرفقت باقتراحات القوانين أنه «من غير الممكن اجراء الانتخابات في موعدها بسبب الظروف الطارئة التي يمر بها لبنان من أعمال حربية وعسكرية خطيرة تحول دون إجراء الانتخابات». كما تورد الأسباب الموجبة أيضا «أن مبدأ التمديد يعد استثناء على القاعدة الديموقراطية العامة، ولا يجوز اللجوء اليه الا في حالات الضرورة القصوى التي تجعل الانتخابات متعذرة بصورة فعلية، ولما يواجهه لبنان من ظروف قوة قاهرة ناجمة عن الحرب التي تشنها اسرائيل على الأراضي اللبنانية».
عمليا التمديد لمجلس النواب سيحدث بعد أن توفرت له الأسباب الموجبة، وعلى غرار التجارب السابقة، لا خوف على النصاب المطلوب ولا على نيل اقتراح التمديد الأكثرية اللازمة من الأصوات لتمريره، تحت شعار عدم وقوع لبنان في الفراغ عشية انتهاء ولاية المجلس. وعلى رغم الانتقادات والمواقف السياسية التي سترفع في المداخلات النيابية، لكن كما يبدو ستسقط «المحظورات» وسيبقى مجلس المنتخب عام 2022 حتى 2028.
على أي حال فإن التمديد ليس سابقة في لبنان، اذ شهدت الحياة السياسية اللبنانية تمديدا مماثلا في مراحل سابقة تحت عنوان «الظروف الاستثنائية» أو الخلاف على قانون الانتخاب. إلا أن الفترة الأطول للتمديد للمجلس المنتخب عام 1972 لولاية 4 سنوات حتى مايو 1976، وقد استمر بفعل الحرب حتى أكتوبر 1992 أي لمدة 16 عاما وخمسة أشهر و13 يوما، جرى في خلال تلك المرحلة إقرار وثيقة الطائف وانتخاب 5 رؤساء للجمهورية.
ويأتي التمديد في اللحظة الراهنة في مرحلة أكثر حساسية، لتزامنه مع احتدام المواجهات العسكرية على الجبهة اللبنانية، والغليان القائم في المنطقة، وهذا ما يدفع باتجاه «تمديد الضرورة»، الأمر الذي يجعله خيارا اضطراريا لتفادي الفراغ الدستوري.
لقد جرى التمديد لمجلس النواب المنتخب في أبريل 1972 والذي كان يفترض أن تنتهي ولايته في مايو 1976. لكن اندلاع الحرب الأهلية في نيسان 1975 جعل إجراء الانتخابات النيابية أمرا مستحيلا، فأعدت الحكومة مشروع قانون بتمديد ولايته بصورة استثنائية لمدة سنة ووافق النواب على مشروع الحكومة ولكن ليس لمدة سنة كما جاء في المشروع، بل لمدة سنتين وشهرين حتى يونيو 1978. وكان هذا التمديد مسندا إلى أسباب قاهرة ناتجة عن الحرب الأهلية التي كانت دائرة في لبنان في تلك الفترة، ولم يعترض أحد وقتذاك على هذا التمديد المبرر.
اما التمديد الثاني فكان في 20 فبراير 1978 وقضى بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 30 يونيو 1980، أي لمدة سنتين، وحصل التمديد الثالث لمدة ثلاث سنوات حتى تاريخ 30 يونيو 1983. وجاء بعده التمديد الرابع لمدة عام واحد من تاريخ 1983 حتى 31 ديسمبر 1984، أي لمدة سنة وستة أشهر.
التمديد الخامس كان لمدة عامين من يونيو 1984 وقضى بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 ديسمبر 1986.والتمديد السادس قضى بتمديد فترة الولاية لسنتين من تاريخ 11 فبراير 1986 حتى31 ديسمبر 1988.
وجاء التمديد السابع وبصورة استثنائية أيضا ولمدة سنتين من تاريخ 22 ديسمبر 1987 حتى 31 ديسمبر 1990.ثم التمديد الثامن الذي حصل في جلسة مجلس النواب المنعقدة في 24 نوفمبر 1989 المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية بعد اغتيال الرئيس رينية معوض، وقد انتخب الياس الهراوي رئيسا. إثر ذلك، تقدم عدد من النواب باقتراح قانون بتمديد الولاية قبل أكثر من سنة من انتهاء الولاية الممددة وصدر قانون رقم 89/1 ونص على التمديد بصورة استثنائية حتى 31 ديسمبر 1994 أي لمدة أربع سنوات من انتهاء الولاية الممددة، واعتبرت انها أطول فترة يمدد فيها المجلس لمرة واحدة عندما استشعر النواب بقرب استقرار الأوضاع، وبالتالي قرب اجراء الانتخابات النيابية فأقدموا على هذا التمديد الطويل الذي لم يدم بفعل القرار الأقليمي والدولي. وبعدها أقر مجلس النواب قانونا ينص على اختصار الولاية الممددة واعتبارها منتهية في تاريخ 15 سبتمبر 1992 بدلا من 31 ديسمبر 1994، فكان التمديد لمدة سنة وتسعة أشهر و15يوما وليس لأربع سنوات، وجرت الانتخابات للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب.
ثم كان التمديد التاسع على أثر اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 شباط 2005 ودخول البلاد مرحلة من عدم الاستقرار، فصدر القانون رقم 676 تاريخ 28 ابريل 2005 ونص على تمديد ولاية مجلس النواب لفترة وجيزة مدتها 20 يوما، جرت بعدها العملية الانتخابية في ربيع 2005 بعد خروج القوات السورية من لبنان، والتي حقق فيها «التيار الوطني الحر» فوزا ساحقا من دون نيل الأكثرية المطلوبة في المجلس. وتلتها انتخابات 2009 بعد أحداث السابع من مايو 2008 التي شهدتها العاصمة بيروت والجبل وانتهت باتفاق الدوحة الذي شكل نهاية الازمة التي استمرت 18 شهرا كادت أن تعصف بالسلم الأهلي. وأوجد الاتفاق الذي انجز بين الاقطاب اللبنانية وبرعاية عربية وتأييد دولي توافقا على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية والاتفاق على قانون انتخابي واجراء الانتخابات التي حددت في7 يونيو 2009.
وتسارعت التطورات الدراماتيكية في لبنان ليكون مجلس النواب على موعد جديد للتمديد للمرة العاشرة في 31 مايو2013 حين أقر 98 من أصل 128 نائبا قانونا يمدد ولايتهم لسبعة عشرة شهرا، واعتبرت الأسباب الموجبة التي ارفقت باقتراح قانون معجل مكرر يرمي إلى تمديد ولاية مجلس النواب أنه من غير الممكن اجراء الانتخابات النيابية في موعدها بسبب الاوضاع الأمتية والتحدي الذي يواجهه الجيش والقوى الامنية في ضبط الوضع.
ثم قام المجلس بتمديد ولايته مرتين، الأولى في نوفمبر 2015 والثانية في يونيو2017.
وعل اثر التمديدات المتتالية، جرت الانتخابات النيابية في 2018 و2022.