لم يكن المسجد في الإسلام بناء حجريا تؤدى فيه الصلوات فحسب، ولا مكانا معزولا عن واقع الحياة، بل كان ـ ولايزال ـ قلب الأمة النابض، ومركز الإشعاع الإيماني، ومنطلق البناء العقدي والتربوي والاجتماعي.
فحيثما أقيم المسجد، أُقيمت معه الهوية، وتشكلت الشخصية المسلمة وربطت القلوب بربها، وانتظمت حياة الناس على ميزان الإيمان.
وقد أدرك الإسلام منذ فجره الأول أن إصلاح المجتمعات لا يبدأ من القوانين وحدها، ولا من القوة والسلطان، بل يبدأ من تزكية القلوب، وبناء الإنسان فجعل المسجد أول مؤسسة تُؤسس، وأعظم معلم يشاد، وأبقى أثرا في حياة الفرد والأمة.
وفي زمن تراجع فيه دور المسجد عند بعض الناس، وحُصر في أداء الشعائر، تبرز الحاجة إلى إعادة إبراز قيمة المسجد في الإسلام، وبيان مكانته الشرعية، ووظائفه الإيمانية، وأثره الحضاري في بناء الإنسان والمجتمع.
أولا: المكانة الشرعية للمسجد في الإسلام حيث رفع الله تعالى شأن المساجد، وشرفها، ونسبها إلى نفسه تشريفا وتعظيما، فقال سبحانه:
(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) الجن: 18، ووصفها النبي ﷺ بأنها أحب البقاع إلى الله، فقال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها» (رواه مسلم).
ثانيا: المسجد أول مؤسسة في بناء المجتمع المسلم حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لم يبدأ ببناء قصر، ولا سوق، ولا مقر سياسي، بل بدأ ببناء المسجد. قال تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) التوبة: 108، فكان مسجد قباء، ثم المسجد النبوي، نموذجا عمليا لمكانة المسجد في الإسلام.
وهذا يدل دلالة واضحة على أن المسجد هو نقطة الانطلاق في الإصلاح وأن بناء المجتمع يبدأ من بيوت الله وأن تزكية النفوس مقدمة على تنظيم الشؤون المادية، ثالثا: وظائف المسجد في الإسلام أنه مركز العبادة والتوحيد وهي وظيفته الأولى والأساس الذي تُبنى عليه سائر الوظائف: إقامة الصلاة، وذكر الله، وتلاوة القرآن، وتعليم الناس أركان الدين، قال تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) النور: 36، فالمسجد يربط العبد بربه خمس مرات في اليوم، ويجدد الإيمان في القلوب، والمسجد مدرسة العلم والإيمان يتُعلم فيه العقيدة، وتشرح فيه الأحكام، وتربى فيه الأجيال.
ولا ينبغي أن يخلو المسجد من تآلف أهله، أو صلاة خاشعة، فمنزلة المسجد في حياة المسلم ربط الإسلام قلب المؤمن بالمسجد، وجعل من علامات صدق الإيمان تعلق القلب ببيوت الله. قال النبي ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجل قلبه معلق بالمساجد» متفق عليه.
فالمسجد ملجأ الروح، ومتنفس الهموم، وموضع السكينة، ومكان تجديد الإيمان، ومن اعتاد المسجد، ألف الطاعة، وابتعد عن المعصية، واستقامت حياته، كما أن للمسجد أثرا في إصلاح الفرد والمجتمع من نشر القيم والأخلاق، وتحقيق الأمن والاستقرار.
وما ضعفت المجتمعات، ولا انهارت القيم، إلا حين ابتعد الناس عن المساجد، أو فُصلت عن دورها الحقيقي.
والحمد لله أن المساجد لاتزال قائمة، لكن التحدي الحقيقي هو: زيادة دورها التربوي، وإحياء دورها التكافلي دون تسييس أو انحراف عن ميثاق المسجد، والمسجد في الإسلام ليس جدارا وسقفا، بل رسالة وهوية وتربية وحياة، فهو يوحد المجتمع ولا يفرق، ومن أراد إصلاح نفسه، أو أسرته، أو مجتمعه، فليبدأ من المسجد، وليحي دوره، وليعظم شأنه في قلبه وحياته.