«الأدب: استعمال ما يحمد قولا وفعلا»، وقد قسم العلماء الأدب إلى ثلاثة أقسام: أدب مع الله سبحانه وتعالى، وأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه، وأدب مع خلقه، فالأدب مع الله تعالى أعلى المراتب، والعاقل من يكون أدبه مع الله عاليا، وهو أصل كل أدب، بل لا يتصف أحد بأدب إن عدم الأدب مع الله، والأدب مع الله سبحانه هو حسن الانقياد معه بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله، والحياء منه، ويشمل القلب، واللسان، والأركان.
وأول هذه الآداب وأعلاها الأدب مع الله - عزوجل-: فالأدب مع الله تبارك وتعالى ثلاثة أنواع: أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة. الثاني: صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره. الثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقته عليه والمقصود أن الأدب مع الله تعالى: هو القيام بدينه، والتأدب بآدابه، ظاهرا وباطنا، ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله تعالى إلا بثلاثة أشياء: معرفته بأسمائه وصفاته، ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره، ونفس مستعدة ومتهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا.
والأدب مع الله باب واسع جدا لا يمكن حصره، ولكن حسبنا من ذلك أمثلة مهمة:
1 - تلقي أخبار سبحانه بالتصديق: بحيث لا يقع عند الإنسان شك أو تردد في تصديق خبر الله تبارك وتعالى، لأن خبر الله صادر عن علم، وهو أصدق القائلين، كما قال سبحانه عن نفسه: (ومَن أصدق مِن الله حديثا) (النساء: 87).
2 - تلقي أحكام الله بالقبول والرضا: وذلك بأن يتلقى الإنسان أحكام الله بالقبول والتنفيذ والتطبيق، فلا يرد شيئا من أحكام الله، فإذا رد شيئا منها، فهذا سوء خلق مع الله عز وجل سواء ردها منكرا حكمها، أو مستكبرا عن العمل بها، أو متهاونا بها، فإن ذلك كله مناف لحسن الأدب مع الله عز وجل.
3 - تلقي أقدار الله تعالى بالرضا والصبر: المسلم العاقل يتلقى أقدار الله بالرضا والصبر، فالمرض مثلا لا يلائم الإنسان، لأن الإنسان يحب أن يكون صحيحا معافى، لكن أقدار الله تتنوع لحكمة يعلمها الله سبحانه، فالمؤمن حسن الخلق نحو أقداره سبحانه أن ترضى بما قدره الله لك، وأن تطمئن إليه، وأن تعلم أنه - سبحانه وتعالى - ما قدره إلا لحكمة عظيمة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد والشكر، والرضا يعني رضا النفس بما يصيب الإنسان من خير أو شر، حلو أو مر. قال تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) (البقرة: 155)
4 - الأدب مع الله بالتوجه إليه سبحانه بالدعاء، قال تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما) (الفرقان: 77).
وقال سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (البقرة: 186).
و«معنى الدعاء: هو توجه العبد إلى ربه - عز وجل - فيما يحتاج إليه لإصلاح دينه ودنياه بطلب المعونة»، فلا يتخلى عبد عن دعاء مولاه إلا قانط أو متكبر مستغن، وهذا موجب لغضب الله وسخطه، فدعاء العبادة، ودعاء المسألة من الأمور التي يحبها الله سبحانه من عباده المتقين.
ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاستعانة بالله عز وجل، واستعان به قائلا كما أوصى بذلك لمعاذ: «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك».
ومن الأدب مع الله كذلك التوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والاستعاذة، والاستغفار، والاستعانة به، والتضرع إليه، والتوكل عليه في جميع الأمور.
والخلاصة: إن الأدب مع الله تبارك وتعالى: هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا.