قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) التحريم: 8.
قال الله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور: 31.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».
التوبة النصوح، تعني تخليص الشيء من الغش والشوائب الغريبة، فالنصح في التوبة والعبادة والمشورة تخليصها من كل غش ونقص وفساد، وإيقاعها على أكمل الوجوه، والنصح ضد الغش.
ونقل العلامة ابن قيم الجوزية أن عبارات السلف اختلفت في معنى التوبة النصوح فنقل عن بعض الصحابة: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه أبدا، ونقل عن بعض التابعين مثل الحسن البصري قوله: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على ألا يعود فيه، وعن سعيد بن المسيب قوله: توبة نصوحا، تنصحون بها أنفسكم، جعلها بمعنى ناصحة للتائب.
وعن محمد بن كعب القرظي قوله: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيئ الإخوان.
ثم عقب العلامة ابن قيم الجوزية بقوله: «النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته.
والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها.
الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته، ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حمد الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز وجل.
فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث يتعلق بمن يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب ونفسه، فنصح التوبة الصدق فيها، والإخلاص، وتعميم الذنوب بها، ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه، وتمحو جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة، والله المستعان».
وقال العلامة النووي: «التوبة واجبة من كل ذنب فإن المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط
1 - أن يقلع عن المعصية.
2 - أن يندم عليها.
3 - أن يعزم على ألا يعود لمثلها.
فتدارك نفسك يا عبدالله وإياك وطول الأمل والتسويف.
قال يحيى بن معاذ: «الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل وعلامة التائب إسبال الدمعة وحب الخلوة والمحاسبة للنفس».
وقال الإمام ابن قيم الجوزية: «التوبة من أفضل مقامات السالكين، لأنها أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقها العبد أبدا ولا يزال فيها إلى الممات».
وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا، فالتوبة قيمة عالية ونعمة من الله عظيمة، فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ترحمون، نسأل الله المسامحة.