لعل الأمم لا تقاس بمساحة الأرض التي تحملها، ولكن بما تصنع من تأثير يطوف العالم، والكويت أدركت منذ زمن مبكر أن القوة ليست دائما في الصخب، ولكن في الحكمة وأن الحضور الحقيقي ليس في ارتفاع الصوت، بل في الأثر الذي يلامس الشعوب، ويرسخ بالعقول، ويرطب القلوب، ويداوي العلل.
لقد علم البحر أهل الكويت سعة الأفق، وعلمتهم الصحراء حكمة الواقع، فاجتمع في شخصيتهم ذلك المزيج النادر من الحلم والحزم، والاعتدال والوضوح، وربما لهذا السبب تقف الكويت دائما مواقف واضحة متوازنة في كل القضايا وعلى مر تاريخها، ودائما ما تتحدث بلغة التقريب، ولم تذكر في مجالس العالم باعتبارها طرفا في النزاع، ولكن باعتبارها جسرا بين المختلفين.
ولكن العالم اليوم يعيش زمنا تتكاثر فيه الأصوات الغاضبة، ويعلو فيه خطاب التوتر، حتى يكاد العقل أن يضيع في وسط الضجيج، وهنا يظهر معنى الحكمة في السياسة، تلك الحكمة التي قد يظنها البعض ترددا، ولكنها في الحقيقة أبعد ما تكون عن الضعف، فالحكمة ليست انسحابا من الموقف، بل قدرة على رؤية الطريق الأبعد، والنظر إلى المستقبل بثبات وحكمة. ولعل هذا المعنى تجلى بوضوح في كلمة صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، حين جاءت نبرة الاعتدال واضحة، وصوت المسؤولية حاضرا. فقد بدت كلماته وكأنها تذكير هادئ بأن الكويت ماضية في طريقها الذي عرفته منذ عقود، طريق العقل، والاتزان، والحرص على الاستقرار، وعدم الاندفاع في أشد الأوضاع وأصعبها. إن الدور الحقيقي للدول لا يقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بما تمنحه للعالم من طمأنينة، وعسى أن يكون هذا هو المعنى الأعمق لحضور الكويت في محيطها الإقليمي والدولي، أن تبقى الكويت صوتا هادئا حين يحتدم الجدل، وكلمة عاقلة حين تتكاثر الانفعالات. إن العالم سيظل بحاجة إلى من يذكره بأن الاعتدال قوة، وأن السلام ليس ضعفا، بل شجاعة تفوق التهور والاندفاع، وفي هذا الطريق تمضي الكويت، هادئة الخطى، واضحة النية، كأنها تقول للعالم إن الحكمة قد تكون أحيانا أبلغ من القوة، لتبقى الكويت بهذه الحكمة، أكثر قوة، وأشد عزما، ونبراسا للاعتدال.