شهدت دول الخليج خلال الفترة الماضية تحولا لافتا في معادلة القوة والأمن، حيث تراجعت صورة «الدول الريعية المحتمية بمظلة القوى الكبرى» لصالح مشهد دول تمتلك صلابة الردع عبر منظومات دفاعية متقدمة وكوادر وطنية محترفة. لم تعد دول الخليج مجرد مستورد للسلاح، بل باتت قادرة على تشغيل منظومات دفاع جوي وبحري وصاروخي متكاملة، والتعامل مع أنماط الحرب الهجينة، من الفضاء السيبراني إلى أمن الممرات البحرية.
اختبرت الاعتداءات الايرانية الآثمة، عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، هذه القدرات الدفاعية، فنجحت دول الخليج - بهدوء وفاعلية ودون جعجعة وضجيج - في اعتراض النسبة الأكبر من المقذوفات وتقليص الخسائر ولله الحمد، من خلال تكامل الرادارات والإنذار المبكر ومراكز القيادة والسيطرة ومنصات الاعتراض، وفي زمن استجابة قصير يعكس نضجا تدريبيا وفاعلية ردعية.
ترافق ذلك مع رصانة سياسية، إذ امتنعت دول الخليج عن رد عسكري متعجل، مع تأكيد حقها في الرد ورفضها للهجوم، ما عكس حكمة وحنكة القيادات السياسية في قراءة المشهد الإقليمي والدولي وتوظيف الإنجاز الدفاعي لخدمة الاستقرار. ونتيجة لذلك، برز توازن ردع جديد مع إيران: لم تنقلب كفة القوى بالكامل للخليج، لكن كلفة استهداف الخليج ارتفعت، وتبدد وهم كونه ساحة ضغط عسكري منخفض الكلفة أو خاصرة رخوة ومنطقة هشة عسكريا بحكم صغر المساحة.
على الصعيد الداخلي أظهرت الأزمة اصطفافا وطنيا واضحا حول القيادات والمؤسسات العسكرية، دون انهيار معنوي أو فوضى، ما كشف تحول صورة «المواطن المستهلك للريع» إلى مواطن شريك في حماية مكتسبات الاستقرار والرفاه. وبذلك دخل المشهد الخليجي مرحلة جديدة أصبح فيها الخليج فاعلا يمتلك بفضل الله بنية دفاعية حاسمة، وجاهزية عالية وقيادات واعية، وجبهة داخلية صامدة، ونتضرع إلى الله تعالى أن يحفظ الكويت ودول الخليج من كل سوء.