في زمن تتسارع فيه وتيرة التواصل الرقمي، وتتشابك فيه الآراء عبر المنصات المختلفة، أصبحت الكلمة أكثر تأثيرا وانتشارا من أي وقت مضى.
هذا الواقع يضع على عاتق الأفراد والمجتمعات مسؤولية مضاعفة في ضبط الخطاب، خاصة في ظل تزايد مظاهر الإساءة والسب والتشهير التي باتت تمارس أحيانا تحت غطاء حرية التعبير.
يؤكد الإسلام، كمنهج قيمي وأخلاقي متكامل، حرمة الإساءة اللفظية والمعنوية، ويدعو إلى الالتزام بالكلمة الطيبة والحوار الراقي،
فقد جاء التوجيه الإلهي واضحا في قوله تعالى «وقولوا للناس حسنا»، وهو أمر يتجاوز مجرد الأدب اللفظي ليؤسس لثقافة احترام الآخر، مهما اختلفت الآراء والمواقف.
كما ينهى الإسلام عن الظلم بكل صوره، بما في ذلك الاعتداء بالكلمة، لما لها من أثر عميق قد يفوق في بعض الأحيان الأذى المادي.
غير أن التحدي اليوم لا يقتصر على البعد الأخلاقي، بل يمتد إلى الإطار القانوني، حيث فرضت الثورة الرقمية واقعا جديدا يتطلب تحديث التشريعات لمواكبة الجرائم الإلكترونية. فالإساءة عبر المنصات الرقمية لم تعد شأنا عابرا، بل قد تتحول إلى حملات منظمة تؤثر على الأفراد والمجتمعات، وتلحق أضرارا نفسية واجتماعية جسيمة.
ومن المهم التأكيد في هذا السياق أن الإساءة إلى الشعوب، من أي طرف كان، لا يجوز تعميمها على الجميع، فليس من العدل ولا من المنطق أن يتحمل شعب كامل مسؤولية تصرفات فرد أو فئة محدودة.
إن التعميم يغذي الكراهية، ويعمق الانقسامات، ويضعف فرص التفاهم والتعايش. والإنصاف يقتضي التفريق بين المخطئ وغيره، والنظر إلى كل إنسان بصفته الفردية لا الجماعية.
ومع ذلك، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الأفراد. فالرد على الإساءة ينبغي ألا يكون بانفعال أو انحدار إلى نفس المستوى، بل بالالتزام بالقيم، والتحلي بالحكمة، واختيار الأسلوب الذي يعكس رقي الفكر والأخلاق. فالكلمة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل مسؤولية، إما أن تبني جسور التفاهم، أو تهدمها.
في النهاية، مواجهة الإساءة في العصر الرقمي تتطلب توازنا دقيقا بين القيم الأخلاقية والآليات القانونية، بحيث يشكل كل منهما داعما للآخ، فلا القانون وحده كاف دون وعي، ولا الوعي وحده كاف دون رادع. وبين هذا وذاك، تظل الكلمة الطيبة هي الخيار الأسمى، والأكثر تأثيرا في بناء مجتمع متماسك يحترم أفراده بعضهم بعضا.
[email protected]