في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، تتجه الأنظار بطبيعتها إلى الأطر الجامعة التي يفترض أن تعبر عن الصوت العربي المشترك، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، غير أن اللحظة كشفت فجوة بين التوقعات والواقع، إذ لم يكن المطلوب موقفا صداميا بقدر ما كان انتظارا لموقف واضح متماسك، يعكس حدا أدنى من التنسيق السياسي الذي يمنح الدول العربية، وخصوصا الدول الخليجية، شعورا بالاطمئنان المعنوي والسياسي، هذا الغياب لا يفسر بضعف تلك الدول، بل على العكس تماما، فقد أثبتت قدراتها الدفاعية وتماسك جبهتها الداخلية، لكنها كانت تبحث عن غطاء عربي جامع يوازي هذا الحضور الميداني.
لعل دول الخليج اعتادت ـ عبر عقود ـ أن تكون في طليعة الداعمين لأي قضية عربية، سواء في الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الكوارث الإنسانية، وكان حضورها يتجاوز الدعم المادي إلى لعب أدوار الوساطة، ورأب الصدع، والسعي إلى تقريب وجهات النظر بين الأشقاء، ومن هذا المنطلق لم يكن انتظارها لموقف عربي موحد نابعا من حاجة أمنية مباشرة، بل من إيمان راسخ بأن العمل العربي المشترك لا يزال ضرورة استراتيجية، وأن الجامعة يمكن أن تكون، متى ما توافرت الإرادة، إطارا حقيقيا للتوازن والاستقرار.
لكن ما حدث يعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل ما زالت الجامعة العربية قادرة على تمثيل الحد الأدنى من التوافق السياسي العربي؟ أم أنها أصبحت تعكس تباينات أعضائها أكثر مما توحدهم؟
إن التحدي اليوم لا يكمن في إصدار بيانات بقدر ما يكمن في استعادة الثقة بدور هذه المؤسسة، عبر مواقف واضحة، وآليات فاعلة، ورؤية تعكس واقع المنطقة وتعقيداته، فالدول العربية ـ رغم اختلافاتها ـ لاتزال بحاجة إلى مظلة معنوية وسياسية تشعرها بأن هناك صوتا مشتركا، حتى في أشد لحظات التباين.
عبدالله ناصر البراك
عندما يأتي المساء