يشهد مفهوم الزواج والأسرة في مجتمعاتنا اليوم تحولات لافتة بفعل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تشكل وعي الشباب والفتيات أكثر من الأسرة ذاتها. وبين تجارب فردية تروى خارج سياقها، وشعارات جذابة في ظاهرها، يتسلل خطاب يربك فكرة الزواج بدلا من أن يعالج إشكالاته.
لا يمكن إنكار وجود علاقات زوجية فاشلة، أو ممارسات خاطئة من بعض الرجال أو النساء، تركت آثارا اجتماعية ونفسية عميقة، لكن الخطورة تكمن حين تتحول هذه الحالات الاستثنائية إلى صورة عامة، يبنى عليها تصور سلبي عن الزواج نفسه، بدل التمييز بين الخلل في التطبيق وسلامة الفكرة.
ومع ما حققته المرأة من حقوق قانونية وضمانات مالية، وهي مكاسب عادلة ومهمة، برزت أصوات تخلط بين الاستقلالية الصحية والقطيعة الأسرية، وتقدم التمكين بوصفه نقيضا للتفاهم والشراكة. وفي المقابل، يشعر بعض الرجال بأن دورهم بات محل تشكيك دائم، الأمر الذي يوسع فجوة عدم الثقة بين الطرفين.
والحقيقة أن الزواج، في جوهره، ليس صراعا بين جنسين، ولا ميدانا لإثبات القوة، بل علاقة إنسانية تقوم على السكينة والتكامل وتحمل المسؤولية المشتركة. وقد لخص القرآن هذا المعنى بدقة حين قال تعالى: (وجعل بينكم مودة ورحمة)، فالمودة ليست عاطفة عابرة، والرحمة ليست ضعفا، بل قيمتان تبنى بهما الأسرة وتستمر.
ويتزامن هذا المشهد مع خطاب عالمي يدعو إلى تأخير الزواج وتقليل الإنجاب، ويقدم الأسرة التقليدية بوصفها عبئا اجتماعيا، في حين تؤكد التجارب الإنسانية أن الأسرة المتوازنة كانت ومازالت حجر الأساس في الاستقرار النفسي والاجتماعي، ورافدا أساسيا لبناء المجتمعات.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الرجل ولا في المرأة، بل في غياب الخطاب المتزن الذي يجمع بين التجديد والحفاظ على القيم، ويعيد للزواج معناه بوصفه مشروع حياة قائم على المودة والمسؤولية، لا ساحة صراع أو تصفية حسابات.
[email protected]