ياسر العيلة
في زحام البرامج الإذاعية التي تتشابه في الإيقاع وتتنافس على «السبق» أكثر من «العمق»، يطل برنامج «مسألة وقت» ليعيد تعريف الفكرة من أساسها: ليس كل حوار يحتاج إلى مساحة زمنية مفتوحة، بل أحيانا يكفي أن تحسن إدارة «الدقائق» لتصنع محتوى يحسب له.
البرنامج الذي يقدمه الإعلامي علي نجم عبر أثير إذاعة «مارينا إف إم»، لا يعتمد على الثرثرة الطويلة ولا على الأسئلة المستهلكة، بل يراهن على فكرة ذكية: الوقت كعنصر ضاغط ومحفز في آن واحد، ثلاث دقائق كحد أقصى للإجابة ليست مجرد شرط تقني، بل فلسفة تحريرية تفرض على الضيف أن يكون مكثفا، وعلى المذيع أن يكون أكثر يقظة وذكاء.
من وجهة نظري، المحاور الحقيقي لا يقاس بعدد الأسئلة التي يطرحها، بل بقدرته على إدارة المساحات بين الكلمات، وهنا تحديدا تتجلى خصوصية علي نجم، فهو لا يدخل الحوار كطرف مستعرض، بل كقائد إيقاع، يعرف متى يقترب ومتى ينسحب، متى يضغط ومتى يترك للضيف هامش الراحة، تلك المعادلة الدقيقة بين السيطرة والمرونة هي ما يصنع الفارق بين مذيع جيد ومحاور يحترم.
ما يحسب للبرنامج أيضا أنه تخلى عن فخ «إحراج الضيف» كوسيلة لجذب الانتباه، واستبدله بحيلة ذكية وإنسانية: لافتة «بعدين» خيار بسيط ظاهريا، لكنه يعكس وعيا إعلاميا متقدما يحترم خصوصية الضيف دون أن يفقد الحوار بريقه هذه اللمسة وحدها كفيلة بأن تضع البرنامج في منطقة أكثر نضجا من كثير من الطروحات السائدة.
الحلقات التي استضافت أسماء، مثل حسن البلام، وبثينة الرئيسي، وسارة الودعاني، وغادة الزدجالي، وغيرهم لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل تحولت إلى مادة قابلة للتداول على منصات التواصل، خصوصا حلقة البلام التي أثارت جدلا واسعا، وهذا مؤشر واضح الى أن البرنامج نجح في تحقيق المعادلة الأصعب: محتوى يذاع، ويعاد إنتاجه رقميا.
ورغم التوقف المؤقت بسبب الظروف السياسية في المنطقة، عاد «مسألة وقت» بدافع جماهيري واضح، وكأن الجمهور نفسه يطالب باستكمال الحكاية والعودة بحلقات مباشرة، واستضافة أسماء، مثل ناصر الدوسري، وهبة الدري، أكدت أن البرنامج لم يفقد وهجه، بل ربما عاد أكثر نضجا وثقة، فحلقة هبة الدري تحديدا كانت نموذجا لحوار صريح، خال من الحسابات، ما جعل المتلقي يصدق كل كلمة قيلت على الهواء.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري لفريق الإعداد: شوق الخشتي، دانة السريع، ولينا خداج، فخلف كل حوار ناجح بحث دقيق، وفهم عميق لتفاصيل الضيف، وهو ما بدا واضحا في تنوع الأسئلة وجرأتها المدروسة.
أما علي نجم، ففي «مسألة وقت» تحديدا، يبدو وكأنه يقدم خلاصة تجربته الإعلامية، حضوره هادئ دون برود، ذكي دون استعراض، واثق دون غرور، يجيد استخدام نبرة الصوت، ويعرف كيف توظف لغة الجسد لتخدم السؤال لا لتسرق الانتباه، والأهم أنه يطرح الأسئلة الجدلية بلباقة تبقي الباب مفتوحا للحوار لا للصدام.
اللافت أيضا أن نشاطه لا يتوقف عند هذا البرنامج، إذ يشارك في تقديم «شيء ثاني» إلى جانب الفنانة شيماء سليمان، وهو برنامج يومي مباشر يمتد لثلاث ساعات، ما يعكس قدرته على التنقل بين أنماط مختلفة من التقديم دون أن يفقد هويته.
في النهاية، يمكن القول إن «مسألة وقت» ليس مجرد برنامج حواري، بل تجربة إعلامية تثبت أن الفكرة الجيدة، حين تدار باحتراف، قادرة على صناعة الفارق حتى لو كانت مجرد «مسألة وقت».