أحمد مغربي
واصلت البنوك المحلية أداء دورها التنموي والاقتصادي بكفاءة خلال الربع الأول من عام 2026، في وقت شهدت فيه المنطقة توترات جيوسياسية متسارعة، انعكست في تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية وما تبعها من اعتداءات وغارات استهدفت البنية التحتية في المنطقة، ورغم هذه الظروف، تكشف بيانات بنك الكويت المركزي عن استمرار تدفق التمويل إلى قطاع الأعمال، بل وتسارع وتيرته خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، بما يعكس متانة الجهاز المصرفي وقدرته على دعم النشاط الاقتصادي في مختلف الظروف.
وبحسب البيانات، بلغ إجمالي تمويلات البنوك المحلية الموجهة لقطاع الأعمال في الكويت نحو 34.08 مليار دينار بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 33.155 مليار دينار في ديسمبر 2025، محققة زيادة صافية قدرها 933.1 مليون دينار خلال الربع الأول، كما ارتفع صافي التمويل على أساس سنوي بنحو 3.26 مليارات دينار مقارنة بمستواه في مارس 2025، وهو ما يعكس استمرار الزخم الائتماني رغم التحديات الإقليمية.
وتؤكد هذه الأرقام أن دورة التمويل للمشاريع التنموية والرأسمالية في البلاد لم تتوقف، بل استمرت في التوسع، مدفوعة بثقة القطاع المصرفي في متانة الاقتصاد المحلي واستمرارية المشاريع الكبرى، إلى جانب قدرة الشركات على الحفاظ على نشاطها في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
وعلى مستوى التوزيع القطاعي، استحوذ القطاع العقاري على الحصة الأكبر من تمويلات قطاع الأعمال، حيث بلغ إجمالي التمويل الموجه له نحو 11.02 مليار دينار بنهاية مارس 2026، مسجلا زيادة صافية مقارنة بديسمبر 2025 الذي بلغ فيه نحو 10.72 مليارات دينار، أي بنمو يقارب 298.3 مليون دينار خلال الربع، ويعكس هذا الأداء استمرار الطلب على التمويل العقاري، سواء للمشاريع التطويرية أو الاستثمارية، وعلى أساس سنوي بلغ صافي التمويلات الموجهة لقطاع العقار نحو 572.2 مليون دينار.
كما برز قطاع الخدمات الأخرى كثاني أكبر القطاعات جذبا للتمويل، بإجمالي بلغ 4.23 مليارات دينار، مقارنة بنحو 4.12 مليارات دينار في نهاية 2025، محققا زيادة قدرها 106.1 ملايين دينار، وهو ما يشير إلى توسع النشاط الخدمي بمختلف أنواعه، لاسيما في القطاعات المرتبطة بالأعمال والدعم اللوجستي، وعلى أساس سنوي بلغ صافي التمويلات للقطاع نحو 572.3 مليون دينار.
وفي قطاع التجارة، بلغ إجمالي التمويل نحو 3.55 مليارات دينار في مارس 2026، مقارنة بـ3.7 مليارات دينار في ديسمبر 2025، مسجلا تراجعا نسبيا قدره 146.5 مليون دينار، وهو ما قد يعكس حذرا مؤقتا في النشاط التجاري نتيجة الظروف الإقليمية، دون أن يؤثر على الاتجاه العام للتمويل.
أما قطاع الصناعة، فقد سجل تمويلا بقيمة 2.25 مليار دينار مقارنة بـ2.13 مليار دينار في ديسمبر 2025، بزيادة قدرها 128.7 مليون دينار، في حين ارتفع تمويل قطاع الإنشاء إلى 2.83 مليار دينار مقابل 2.68 مليار دينار، بزيادة بلغت 147.8 مليون دينار، وهو ما يعكس استمرار تنفيذ المشاريع الإنشائية والبنية التحتية.
وفيما يتعلق بقطاع النفط والغاز، بلغ إجمالي التمويل نحو 2.17 مليار دينار مقارنة بـ2.05 مليار دينار، بزيادة قدرها 113.5 مليون دينار، في حين سجلت المؤسسات المالية غير المصرفية تمويلا بقيمة 1.76 مليار دينار مقابل 1.67 مليار دينار، بزيادة 93.4 مليون دينار.
في المقابل، تراجع التمويل الموجه للبنوك إلى 1.15 مليار دينار مقارنة بـ1.1 مليار دينار، فيما سجلت الخدمات العامة ارتفاعا إلى 209.3 مليون دينار مقابل 115.6 مليون دينار، وهو نمو لافت يعكس زيادة الإنفاق المرتبط بالمرافق والخدمات الأساسية.
وفيما يتعلق بتمويلات قطاع الأوراق المالية والأنشطة الاستثمارية المرتبطة به، تظهر البيانات استمرار هذا القطاع في استقطاب مستويات مستقرة من الائتمان المصرفي، حيث بلغ إجمالي التمويل الموجه إليه نحو 4.85 مليارات دينار بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 4.79 مليار دينار في نهاية ديسمبر 2025، محققا زيادة صافية قدرها 58.3 مليون دينار خلال الربع الأول. ويعكس هذا الأداء قدرة القطاع على الحفاظ على زخمه التمويلي رغم حالة عدم اليقين التي تشهدها الأسواق الإقليمية، بما يؤكد استمرار نشاط شركات الاستثمار والوساطة المالية في تنفيذ عملياتها وتوسيع أنشطتها.
أما على أساس سنوي، فقد بلغ صافي التمويل لقطاع الأوراق المالية نحو 1.07 مليار دينار.
كما تشير هذه الأرقام إلى أن التمويل الموجه للأنشطة المرتبطة بالأوراق المالية حافظ على مسار نمو متوازن، دون تسجيل تقلبات حادة، وهو ما يعكس نهجا مصرفيا حذرا يوازن بين دعم القطاع الاستثماري وإدارة المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق المالية. ويعد هذا الاستقرار مؤشرا إيجابيا على متانة البنية التمويلية لسوق المال في الكويت، واستمرار توفر السيولة اللازمة لدعم الأنشطة الاستثمارية، بما يعزز من قدرة السوق على التكيف مع التطورات الاقتصادية والجيوسياسية المحيطة.
وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن التمويل المصرفي في الكويت لم يتأثر سلبا بالتطورات الجيوسياسية، بل واصل أداءه كأحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، مع استمرار تدفق الائتمان إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات الخارجية.
وفي ضوء هذه البيانات، يتضح أن الجهاز المصرفي الكويتي نجح في الحفاظ على توازن دقيق بين إدارة المخاطر والاستمرار في تمويل الاقتصاد، بما يعكس قوة القطاع المالي ومرونته، ودوره المحوري في دعم التنمية الاقتصادية بالبلاد.