ياسر العيلة
يعرض حاليا في دور السينما «سينسكيب» في الكويت الفيلم العالمي «Michael» الذي يتناول السيرة الذاتية لملك البوب «Michael Jackson»، أحد أكثر الفنانين تأثيرا وشعبية في تاريخ الموسيقى الحديثة، فيلم لم يأت ليقدم مجرد حكاية نجم عالمي، بل محاولة لإعادة قراءة إنسان عاش بين المجد والألم وبين التصفيق والوحدة.
العمل نجح إلى حد كبير في إرضاء عشاق مايكل جاكسون، خصوصا أنه ركز على رحلته الفنية والإنسانية دون التوغل المباشر في القضايا الجدلية التي لاحقته ووصلت إلى ساحات القضاء، حتى إن بعض التقارير أشارت إلى إعادة تصوير الفصل الأخير من الفيلم لأسابيع عدة بعد مراجعات مرتبطة باتفاقية ورثة مايكل جاكسون، وهو ما يعكس حجم الحساسية المحيطة بسيرته.
منذ اللحظات الأولى، يأخذنا الفيلم إلى طفولة مايكل داخل فرقة «The Jackson 5»، حيث كانت الموهبة الاستثنائية واضحة، لكن الطريق نحو النجومية لم يكن مفروشا بالراحة، طفولة قاسية من قبل الأب، تدريبات مرهقة وضغوط نفسية حرمته من أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية، لم يعش طفولته كما يجب ولم يعرف معنى الحياة العادية التي يعيشها أي طفل، حتى أصبح عالم الحيوانات أقرب إليه من البشر، ورغم كل ذلك كان هناك شيء استثنائي داخله شيء جعله يسرق الأنظار منذ ظهوره الأول.
الفيلم لم يقدم مايكل كأسطورة فنية فقط، بل كإنسان شديد الحساسية، عاش حياة معقدة مليئة بالتناقضات، بين النجاح الساحق والانكسارات الداخلية، ثم ينتقل بنا العمل إلى مرحلة التحول الكبرى، حين لم يعد ذلك الطفل الموهوب فحسب، لكن أصبح فنانا يصنع أسلوبه الخاص ويتجاوز الحدود التقليدية للفن، الموسيقى، الرقص، الأداء البصري، وحتى طريقة تقديم الأغنية المصورة كلها اجتمعت لتصنع ظاهرة عالمية غير مسبوقة اسمها «مايكل جاكسون».
وتبقى مرحلة ألبوم «Thriller» من أجمل محطات الفيلم وأكثرها إبهارا، حيث يستعرض العمل كيف تحول هذا الألبوم إلى نقطة فاصلة في تاريخ موسيقى البوب العالمية، وكيف صنع مايكل أعمالا كسرت كل القواعد المتعارف عليها، كما يكشف الفيلم حجم إصراره على تخطي العقبات والعنصرية التي واجهها كفنان أسود كان يحلم بالوصول إلى الجميع، في زمن كانت فيه بعض المنصات الموسيقية الكبرى ترفض عرض أعمال الفنانين السود.
الجميل في الفيلم أنه لم يركز فقط على نجاح مايكل، بل على الثمن الباهظ الذي دفعه مقابل تلك الشهرة، العزلة، الضغوط النفسية، والخوف الدائم من العالم الخارجي، حاول العمل على أن يقترب من الإنسان المختبئ خلف الأضواء، خلف المسرح، وخلف الصورة اللامعة التي يعرفها الجمهور، كما كشف الفيلم بعض الحقائق التي طالما أسيء فهمها، ومنها إصابته بمرض «البهاق» الذي تسبب في تغير لون بشرته، إضافة إلى حادثة احتراق شعره أثناء تصوير إعلان لصالح شركة مشروبات غازية عالمية، وهي الحادثة التي أثرت عليه جسديا ونفسيا لسنوات طويلة.
أما على مستوى الأداء التمثيلي، فكان جعفر جاكسون ابن جيرمين جاكسون، شقيق مايكل، مفاجأة حقيقية في أولى بطولاته السينمائية، ونجح بشكل لافت في تجسيد روح مايكل جاكسون وحركاته وأدائه المسرحي، حتى شعر المشاهد أحيانا أنه يشاهد مايكل نفسه، كذلك خطف الطفل «Juliano Krue Valdi» الذي جسد شخصية مايكل الأنظار بأداء باهر ومؤثر في مرحلة الطفولة، بينما قدم «Colman Domingo» أداء قويا في دور الأب الصارم «جوزيف جاكسون»، وقدمت «Nia Long» شخصية الأم «كاثرين جاكسون، بحضور دافئ ومؤثر.
في النهاية، يبقى «Michael Jackson» حالة فنية لا تتكرر، فـ «ملك البوب» لا يقلد بل يخلد، لقد تجاوز الحدود التقليدية للفن، وترك أثرا لا يزال يعيش في ذاكرة الأجيال حتى اليوم، وربما كانت أكثر اللحظات قسوة وإنسانية في الفيلم عندما استعاد آخر كلمات مايكل قبل رحيله، إذ لم يقل «وداعا» بل قال: «أنا أتألم» وكأن الألم ظل رفيقه منذ طفولة لم يعشها كما يجب، وحتى سنواته الأخيرة التي عاشها مثقلا بالوحدة والضغوط رغم كل المجد الذي أحاط به.
جدير بالذكر أن آدم فوغلسون، رئيس مجموعة «ليونزغيت» للأفلام، المنتجة لفيلم «Michael»، كشف عن بدء التحضير لجزء ثان، ويأتي ذلك بعد النجاح الكبير الذي حققه الجزء الأول، والإيرادات القياسية التي سجلها منذ عرضه في شاشات السينما والتي بلغت 277 مليون دولار عالميا، متجاوزا كل التوقعات.