مفرح الشمري
لم تكن قصيدة «نحن باقون هنا» مجرد نص وطني عابر ولد في لحظة انفعال، بل جاءت كوميض استباقي سبق العاصفة حين كتبتها د.سعاد الصباح قبل وقوع الغزو العراقي للكويت، لم تكن تتنبأ بحدث بعينه بقدر ما كانت تكتب من منطقة حساسة في الوجدان الوطني، حيث القلق مشروع، والانتماء أكثر حضورا من أي يقين سياسي.
وفي فبراير 1990، صور الأوبريت في تلفزيون الكويت بروح احتفالية هادئة، كعمل فني يعبر عن حب الأرض والانتماء إليها. لم يكن في الأفق ما يشير إلى أن هذه الكلمات ستختبر قريبا في أقسى الظروف، لكن ما إن وقع الغزو بعد أشهر، حتى تغيرت وظيفة النص بالكامل من قصيدة وجدانية إلى بيان صمود، ومن أغنية إلى ما يشبه النشيد الداخلي للكويتيين في الداخل والمنفى.
بصوت عبدالله الرويشد ومجموعة من الفنانين، خرجت الكلمات من إطارها الفني إلى مساحة أوسع، ومع لحن أنور عبدالله، الذي اتكأ على بساطة عاطفية خالية من التعقيد، بدا العمل وكأنه صمم ليحفظ في الذاكرة، لا أن يستهلك في لحظته.
اللافت أن شهرة الأغنية لم تنفجر عند بثها الأول، بل بعد الغزو، حين أعاد الجمهور اكتشافها بوصفها نصا يقول ما عجزت اللغة اليومية عن قوله، في تلك المرحلة، لم تكن الأغنية تستمع بقدر ما كانت تستدعى، تبث في البيوت، وتردد في الغربة، وتحمل كعلامة هوية في زمن مهدد.
النسخة الجديدة، التي بثها تلفزيون الكويت، لا تعيد إنتاج الأغنية كما هي، بل تعيد بناءها، تقنيات الذكاء الاصطناعي تدخلت في تنقية الصوت، ومعالجة الصورة، وربما في إعادة تركيب بعض المشاهد، لتقديم عمل يبدو أقرب إلى «ذاكرة مرممة» منه إلى تسجيل قديم، هذا النوع من المعالجة لا يهدف فقط إلى تحسين الجودة، بل إلى تقليص المسافة الزمنية بين جيلين، جيل عاش اللحظة، وآخر يتعرف عليها عبر الشاشة من خلال إطلالة عبدالله الرويشد المركبة وهو يقول:
نحن باقون هنا..
هذه الأرض من الماء إلى الماء لنا
ومن القلب إلى القلب لنا
ومن الآه إلى الآه لنا
كل دبوس إذا أدمى بلادي
هو في قلبي أنا
نحن باقون هنا
هذه الأرض هي الأم التي ترضعنا
وهي الخيمة، والمعطف، والملجأ
والثوب الذي يسترنا
وهي السقف الذي نأوي إليه
وهي الصدر الذي يدفئنا..
وهي الحرف الذي نكتبه..
وهي الشعر الذي يكتبنا..
كلما هم أطلقوا سهما عليها..
غاص في قلبي أنا