عشنا - ولانزال نعيش - أياما تحيط بنا خلالها نذر الحرب من كل جانب، ومع ذلك فإن ما نعانيه مقدور عليه، بإذن الله تعالى، فالضربات التي توجه إلينا وإلى إخواننا في دول الخليج العربي ليست الحرب، ولكنها نذرها، وإصاباتها ليست بقدر ما يرجوه مطلق شرارتها. ولذلك فإننا نستطيع أن نقول إنها نذر يصدرها طائش فقد صوابه، فليس له من عمل إلا العبث بسلاحه حتى ولو كان يوجهه إلى من كانوا له أصدقاء.
الأمر الآن غير مخيف، ولكن نذر الحرب العالمية الثالثة هي التي تخيفنا وتجعلنا نتوخى الحذر في كل خطوة نخطوها، لان هذه الحرب - إن حدثت - فسوف تكون حربا لا تبقي ولا تذر، وليس بمستبعد أن يجري خلالها استعمال كافة الأسلحة المدمرة بما في ذلك الأسلحة الذرية والكيماوية.
ونحن الآن أمام عدو لا تدرك نواياه، لأنه متعدد الأطراف، لا يصل التباحث معه إلى نتيجة مهما حاول الوسطاء، ومن أجل ذلك فنحن لا ندري ما يصدر منه في غدنا حتى لقد صرنا كما قال الشاعر بشار بن برد:
نرجو غدا وغد كحامله
في الحي لا يدرون ما يلد
بدأ هذا الوضع قبل ما يقرب من ثلاثة أشهر بين طرفين هما إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، ومعلوم أن دول الخليج العربي لا ناقة لها ولا جمل فيما شجر بين إيران وعدويها، ولكن إيران - لكي تفر من المأزق - بدأت في الاعتداء على دولنا دون تمييز، وصارت تضرب كثيرا من المواقع الحيوية عندنا، بما في ذلك المطارات ومراكز تكرير النفط وتحلية المياه، وكأنها معنية بتدميرنا بعد عجزها عن مجابهة عدوها الذي يشن عليها حربا لا هوادة فيها.
وبسلوكها هذا حولت موقفها تجاهنا من أخ مسلم إلى عدو مجرم، وهو الأمر الذي ما كنا نتمنا.
ومرت الأيام وظلال الحرب تزداد قتامة، وطبولها تزداد ارتفاعا، حتى لم تعد أيام الهدنات المتكررة ذات أثر في تخفيف أثرها، وبدأنا بعد ذلك نستمع إلى أصوات نداءات الحرب وهي ترتفع عن معدلها، وصرنا نستمع إلى طرقاتها على الباب راغبة في الدخول إلى المعترك، لأنها لم تجد استعدادا لبحث سبل السلام، فلم يعد من بديل غيرها.
وأخيرا اكتشفنا هذا الباب الذي كثرت عليه الطرقات، فإذا هو: مضيق هرمز.
كانت الولايات المتحدة الأميركية تطالب إيران بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم، ولم تر الاستجابة لما تريد، وقد بذلت جهودا كبيرة في البحث عن حلول وسط لهذه المعضلة دون نتيجة، ومن ضمن هذه الجهود ما قامت به الهيئة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة إلى دول وسيطة أخرى حاولت إيجاد الحل الملائم دون جدوى، وكان كل واحد من الطرفين يلقي مسؤولية الفشل على الآخر وكانت أميركا ترى أن إيران لا تلتزم بما يتم الاتفاق عليه، وأنها تقوم - دائما - بمحاولات تهدف من ورائها إلى تخطي كل اتفاق.
وهذا هو الذي حدا بأميركا إلى خوض حربها مع إيران وذلك هو ما أعلنته، وقد هاجمتها لأول مرة (عسكريا) في شهر يونيو لسنة 2025م، وبعد مدة محدودة توقفت الحرب بناء على وساطات أدت إلى جلسات مفاوضات جديدة لم تنجح. وقد اتهمت أميركا خصمها بأنه يستخدم المفاوضات من أجل المماطلة وكسب الوقت حتى يستطيع في هذه الأثناء إكمال مشروعه في تخصيب اليورانيوم، وبالتالي لا أحد سوف يقف في طريقه، وهنا اشتد غضب أميركا وبدأ الهجوم الذي كان رد إيران عليه هو إرسال الصواريخ والمسيرات إلى دول الخليج العربي لضربها.
وقد وصف الجانب الأميركي عمله الأخير بأنه هجوم وقائي حتمي لتعطيل ترسانة إيران الصاروخية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، وكان هذا الجانب قد وصف هجومه بأنه الأقوى، وأنه أطلق عليه اسم: «ملحمة الغضب».
ومن الملاحظ أن أوروبا لم تقبل بلعب دور في هذه المسألة لأسباب خاصة بدولها، ورفضت منذ البداية أن تنخرط في الحرب، ولم تكتف دول أوروبا بذلك، بل منعت أميركا من استخدام قواعدها ومعدات حربها، وقد اعتبرت أميركا ذلك خيانة للتحالف من دول تريد الحماية الأميركية وترفض طلبها عند الحاجة.
ولكن أمر أوروبا بدل بالتغير التدريجي بسبب إيران نفسها وذلك لأنها عندما أغلقت مضيق هرمز كان ذلك أمرا خطيرا يواجه أوروبا بخطر لا يطاق، وبخاصة أنه يهدد إمدادات الطاقة وهنا وجدت هذه الدول الأوروبية نفسها مضطرة للتخلي عن تحفظاتها الديبلوماسية والانخراط في تحالفات بحرية وعسكرية لحماية ناقلاتها، وضمان تدفق النفط، وهذا جعل أوروبا مجبرة على القبول بالأمر الواقع الذي فرضته أميركا، وكان العامل الأول في هذا التغيير هو إغلاق إيران لمضيق هرمز.
ومع ما في هذه الأيام من ضيق سببه الأحوال السيئة التي تمر بنا خلالها، فإن العودة إلى الذكريات فيها ما يخفف من ذلك في بعض الأحيان، أذكر هنا بشيء جميل مر في حياتنا كان يسعدنا حين يطل علينا كل شهر كما يطل الهلال، وكما هو مسعد لنا، فإنه يفيدنا معرفة ودراية بشؤون الحياة، وهذا الشيء هو: مجلة العربي، التي كانت روحا وثابة ملأى بكل ما يفيد المرء ويريد من معرفته في إخراج بديع وتحرير رائع.
أصدرت وزارة الإرشاد والأنباء (الإعلام حاليا) مجلة العربي، التي بدأ صدورها في الكويت سنة 1952م، وسرعان ما تم انتشارها في الوطن العربي كله شرقا وغربا، وكان أول رئيس تحرير لها هو الدكتور أحمد زكي، ثم تولى رئاسة تحريرها بعد مدة الأستاذ أحمد بهاء الدين، وهو أحد المفكرين العرب، له باع طويل في متابعة الأحداث العربية وله مؤلفات عديدة، وكانت خبرته في مجال الصحافة طويلة وأعماله فيها مرموقة.
تُوزع هذه المجلة ذائعة الصيت في كافة بلدان الوطن العربي، ولها قراء كثيرون لا يزال عدد منهم يحتفظ بما صدر منها منذ البداية، ويعاود الاستفادة منها والاستمتاع بموضوعاتها حتى اليوم.
ولن نتجاوز في حديثنا هذا العدد الذي صدر منها بتاريخ اليوم الأول من شهر مارس لسنة 1980م وهو العدد رقم 256 من هذه المجلة، وكان هذا العدد كعادة (العربي) مليئا بالمعلومات في مقالاته، واستطلاعاته، وفي كل ما يحتويه من طرائف ونوادر مما يلذ للقارئ الاطلاع عليه.
أما ما تهمنا الإشارة إليه هنا فهو ما أطلقنا عليه اسم (النبوءة) وجعلناه عنوانا لهذا المقال.
وردت نبوءة هذه المجلة على غلاف عددها المشار إليه ثم في الاستطلاع الذي ورد في طيات صفحاتها، وهذا الاستطلاع - كما أطلقت عليه هذه المجلة - عبارة عن تقرير شامل لرحلة قامت بها مجموعة من العاملين فيها ذكر منهم عند إيراد المقال المقصود اثنان هما الأستاذ مصطفى نبيل والأستاذ المصور أوسكار مترى.
وصل وفد مجلة العربي المكلف بصياغة هذا الاستطلاع إلى مسقط (عاصمة سلطنة عمان) ثم أخذ ينتقل من جانب إلى آخر حول مضيق هرمز بواسطة طائرة حوامة (هيليوكوبتر)، وكان المستطلع وهو الأستاذ مصطفى نبيل يصف كل موقع نزل به متحدثا عنه حديث التاريخ والجغرافيا والسياسة.
وقد بدا - مما كتب - أنه كان محيطا بكل ما يتعلق بالمنطقة التي يتحدث عنها إحاطة تامة، دارسا لتاريخها، ولما دار حولها من أحداث مؤثرة قبل أن يصل إليها. بحيث استطاع أن يقدم لقرائه الكثيرين عن طريق مجلة العربي وصفا دقيقا مع معلومات شافية ومهمة إذا ألم بها القارئ فقد ألم بكنز من المعرفة بهذا الموقع الذي يشغل العالم في يومنا هذا.
ولم يكتف الأستاذ مصطفى نبيل بما كتب فقد أضاف إلى مقاله عند نشره صورا معبرة كثيرة فيها كل ما يرغب القارئ برؤيته وكلها من تصوير الفنان أوسكار متري.
لقد كان من الصعب أن أعثر على هذا الاكتشاف الذي عبر عن قيمة مجلة العربي، ودورها المهم في التعريف ببلاد العرب كافة، لولا أن أحد أصدقائي الأعزاء لفت نظري إليه، ثم شاهدته في بعض مواقع الاتصال، ولكن الأمر فيها لم يخرج عن مشاهدة غلاف العدد المقصود.
وقد عدت بذاكرتي إلى وقت صدور هذا العدد، فاستعدت في ذهني ما غيبته الأيام عني، واختلاف النهار والليل ينسي كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي، حتى وجدت ما أريد.
أما النبوءة فقد جاءت في إحدى وعشرين صفحة مصورة وملونة من العدد الذي مر بنا ذكره من هذه المجلة. وقد عبر عنها الكاتب بإيجاز شديد في بداية ما كتب فقال: «مضيق هرمز، بوابة الحرب الثالثة»، ثم تحدث عن المضيق كما رآه بعينيه، ونتيجة لقراءاته واتصالاته ومحادثاته مع عدد ممن لقيهم في ذلك المكان.
ولكنه لا يكتفي بذلك بل يذهب إلى أبعد مما يتوقعه القارئ فيزور مواقع مهمة ذات صلة بهذا المضيق.
وكانت أولى تحركاته إلى منطقة مسندم عند ذلك المضيق وقال عن انتقاله إلى هناك: «في صباح يوم صحو توجهنا إلى مطار السيب الحربي، قاصدين «مضيق هرمز»، يصحبنا أحد الضباط في القوات البرية وآخر عن القوات البحرية العمانية، ومن المطار أخذنا طائرة حربية من طراز سكاي فان Skyvian البريطانية لتنقلنا إلى مطار «خصب»، أقرب مطار للمضيق وخصب هي عاصمة رأس مسندم.
الطائرة صغيرة وتحمل 16 مقعدا، ولها ميزة أنها لا تحتاج إلى مهبط طويل خلال هبوطها وإقلاعها وتصلح للمناطق الجبلية مثل رأس مسندم..».
ولا ينسى وهو على متن الطائرة أن يطل من نافذتها فيصف لقرائه المشاهدات التي تمر أمام عينيه، وهو يصف هذه المرحلة بأنها مشحونة بالإثارة، وغنية بالمشاهد وكان يمر خلالها على البحر والصحراء والجبال والزراعات المختلفة، ويذكر اختلاف الألوان على الأرض بين لون النخيل الأخضر ولون الرمال الاصفر، ويستمر في وصف المسار الجوي الذي سارت فيه تلك الطائرة التي حملته مع من معه إلى أن وصل إلى مسندم التي قال عنها:
«عاشت شبه جزيرة مسندم طويلا معزولة عن العالم، وخارج العصر الذي نعيش فيه، ولا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الجو أو البحر، هذا مع أنها مركز الحراسة الأمامي لمضيق هرمز».
ومضت الرحلة في طريقها المرسوم، وآن الأوان لمواجهة مضيق هرمز وفي هذا يقول:
«وجاءت اللحظة الحاسمة في الجولة عندما كنت على موعد مع الطائرة الهيليكوبتر التي ستحلق في جولة فوق مسندم وتشرف على المضيق، والجزر المتناثرة والقرى على سفوح الجبال..
ارتفعت الطائرة عموديا واتجهت إلى المضيق، المنظر خلاب، طبيعة قاسية، سلسلة جبال عالية زرقاء جوانبها شديدة الانحدار، للحظة اتخيل أنني فوق القمر، فالمنظر الذي أمامي رأيته على شاشات التلفزيون منقولا من القمر، يظهر في الأفق بنهاية مسندم جرف مرتفع هو «رأس مسندم»، وتظهر فيه الازقة البحرية التي تكتنفها الصخور والمداخل الملتوية، وأشاهد سلسلة «حجر» التي تمتد من رأس مسندم إلى رأس الحد في شكل قوس كبير يتجه من الشمال إلى الجنوب، ولقد اطلق عليه اسم مسندم، من «السندان» لكثرة ما تتعرض له صخوره من طرقات الامواج الضخمة وتلاطمها فيها».
ولم ينس أن يمر بجزر سلامة وبنائها، وهي مجموعة من الجزر الصخرية تقع إلى الشمال من مسندم، وسميت بسلامة تفاؤلا بالأمن عند المرور إلى جوارها، وبناتها مجموعة من الجزر صغيرة الحجم تقع إلى جوارها.
وسلامة وبناتها تذكرنا بما كان يتحدث به آباؤنا وأجدادنا عنها لأنهم يتفاءلون بالمرور إلى جانبها فهم يشعرون عندها بقرب وصولهم إلى الكويت من رحلة السفر التراثية القديمة.
ويتحدث المستطلع حديث السياسة فيتكلم عن الوضع السياسي لهذه المنطقة الحساسة فيقول بعد أن ذكر الجهود التي بذلت في تنظيم الملاحة:
«وبعد هذه الجهود توصلت عمان وإيران إلى إتفاق حول المضيق والجرف القاري، الذي وقع في طهران في يوليو عام 1974م، وقسم هذا الاتفاق الممر المائي على أساس خط النصف للمياه من نقط ارتكاز بين سواحل الجزر العمانية والجزر الإيرانية، وكانت جزر سلامة وبناتها نقط الارتكاز العمانية، وجزيرة قشم نقط الارتكاز الإيرانية، وهكذا اصبحت المياه الضحلة غير الصالحة للملاحة - تابعة لإيران، والممر المائي في المنطقة التابعة لعمان».
هذا كله وصف لحالة المنطقة أو المناطق التي زارها وفد مجلة العربي بقصد تقديم صورة الحال لقراء المجلة، ولكن المهم فيما يلي: فإنه كتب تحت عنوان فرعي هو: «عاصفة على الخليج» ما يلي:
«لقد هبت هنا عاصفة من التصريحات ساهمت في تصعيد التوتر حول المضيق، ومست قضية أمنه، ففي منتصف العام الماضي خرجت علينا الصحف بتصريحات تزعم أن اليأس الفلسطيني سيدفع منظمات المقاومة إلى إغراق ناقلة نفط في مضيق هرمز، فعلاوة على أن إغراق ناقلة غير مطروح أصلا، فإن عمق المضيق وعرضه لا يعطله إغراق ناقلة، وقد اعترضت ناقلة ليبيرية في نهاية العام الماضي خلال عبورها المضيق، على بعد ثمانية أميال من جزيرة سلامة في طريقها إلى جزيرة داس، ولم تتعطل الملاحة في المضيق لحظة واحدة».
وقبل أن أنهي ما أردت ذكره، فإنني ينبغي أن أشير إلى أمر مهم له صلة بما يجري الحديث عنه في شأن مضيق هرمز، ذلك لأن كاتب الاستطلاع وقد جعل عنوانه:«مضيق هرمز بوابة الحرب الثالثة» أشار إلى أمر خطير كاد أن يحدث في منتصف سنة 1979م، وقال وهذا هو ما أشرنا إليه قبل قليل:
«لقد هبت - هنا - عاصفة من التصريحات ساهمت في تصعيد التوتر حول المضيق، ومست قضية أمنه، ففي منتصف العام الماضي خرجت علينا الصحف بتصريحات تزعم أن اليأس الفلسطيني سيدفع منظمات المقاومة إلى إغراق ناقلة نفط في مضيق هرمز».
ويكفيني ذكر هذا الذي ورد في الاستطلاع، فهو أمر له دلالات كثيرة لا أشك في أن القارئ يدركها، بل ويضيف عليها كثيرا من التساؤلات.
وبعد، فليس هذا هو مجال تقديم المقال الذي أشرنا إليه بكامله كما نشرته مجلة العربي بها، فهذا أمر يطول إضافة إلى أنه يحتوي على تفريعات تخرجنا عن غرضنا هنا وهو مجرد التنبيه إلى أن هذا الأمر قديم.
حفظ الله دول الخليج العربي من كل مكروه.
وأعاد - بقدرته تعالى - مجلة العربي إلى الصدور، فقد كانت صورة ناصعة لبلادنا، وموضع فخر واعتزاز لنا.
جميع الصور منقولة من مجلة العربي
العدد 256 - الصادرة في شهر مارس 1980