بيروت - اتحاد درويش
قالت مديرة برنامج السياسات البيئية في «مبادرة الإصلاح العربي» سارين كراجرجيان لـ «الأنباء»: «ألحقت الحرب الإسرائيلية بقرى جنوب لبنان في 2026 أضرارا بيئية جسيمة. ولم يعد هذا الضرر مجرد أثر جانبي للحروب، بل أصبح جزءا من منطق الاستهداف نفسه، فالقصف لم يقتصر على المواقع العسكرية أو البنى التحتية التقليدية، بل امتد إلى الغابات والأراضي الزراعية والمياه وشروط الحياة اليومية للسكان».
وأضافت «ترافقت العمليات العسكرية مع استخدام مواد حارقة وكيميائية وعمليات تجريف وهدم واسعة واستهداف للبنى التي تسمح بعودة السكان واستئناف النشاط الزراعي. بهذا المعنى لم تعد الحرب تدور فقط حول السيطرة العسكرية، بل حول إعادة تشكيل المجال البيئي والاجتماعي بطريقة تجعل أجزاء واسعة من الجنوب أقل قابلية للحياة والاستقرار».
ولفتت كراجرجيان إلى «أن القسم الأكبر من سكان الجنوب يعتمد على الزراعة والاقتصاد المحلي الهش. ومع التهجير الواسع لم يفقد الناس منازلهم فقط، بل فقدوا أيضا مصادر رزقهم وأراضيهم الزراعية وشبكاتهم الاجتماعية التي تشكل أساس البقاء في المناطق الريفية».
وبحسب كراجرجيان، فإن «الضرر البيئي في هذه الحرب اتخذ أبعادا غير مسبوقة. ففي 4 مايو 2026 أعلنت وزيرة البيئة اللبنانية أن أكثر من 270 هكتارا من الغابات احترقت خلال الشهر الأول من العدوان فقط، إضافة إلى 8700 هكتار سبق أن احترقت في المواجهات السابقة. كما قدرت كلفة الأضرار البيئية المتراكمة بنحو 512 مليون دولار، مع حاجة عاجلة إلى ما يقارب 300 مليون دولار للتدخل الطارئ وإعادة تأهيل التربة والأنظمة البيئية البرية والبحرية. لكن المشكلة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بطبيعة الضرر نفسه: أراض زراعية محروقة، أشجار زيتون معمرة مقتلعة، مصادر مياه ملوثة، وبنى تحتية زراعية مدمرة».
وتوقفت كراجرجيان عند ما وثقته منظمات دولية ومحلية من استخدام إسرائيل أسلحة ومواد ذات أثر بيئي وصحي خطير. ونقلت عن «هيومن رايتس ووتش» استخدام إسرائيل ذخائر الفوسفور الأبيض فوق مناطق مأهولة في بلدة يحمر مارس 2026، «ما أدى إلى اندلاع حرائق في منازل مدنية واحتراق مركبات. ورغم أن الفوسفور الأبيض ليس محظورا بشكل مطلق في القانون الدولي، فإن استخدامه جوا فوق المناطق السكنية يعد غير قانوني بسبب تأثيراته العشوائية وقدرته على التسبب في حروق قاتلة وفشل تنفسي وأضرار طويلة الأمد. كما أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان أنها ساعدت الجيش اللبناني في جمع عينات بعد إسقاط مادة كيميائية قرب الخط الأزرق، الأمر الذي أدى إلى تعطيل أنشطة ميدانية عدة وأثار مخاوف صحية وبيئية كبيرة».
وأشارت كراجرجيان إلى أنه «برزت مسألة رش المواد الكيميائية فوق الأراضي الزراعية الجنوبية، لاسيما مادة الغليفوسات. وقد اعتبرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان أن هذه المواد تهدد التربة والمياه الجوفية والمحاصيل الزراعية والتنوع البيولوجي والصحة العامة. كما نقلت تقارير في مارس 2026 أن بعض العينات أظهرت ارتفاع المعدلات الطبيعية بما يتراوح بين عشرين وثلاثين ضعفا. وتكمن خطورة هذه المواد في قدرتها على الذوبان والتسرب إلى التربة والمياه، إضافة إلى تراكمها في الأنسجة النباتية، ما يجعل آثارها ممتدة لسنوات طويلة حتى بعد توقف العمليات العسكرية».
ورأت «أن القطاع الزراعي كان من أكثر القطاعات تعرضا للاستهداف. فحتى ديسمبر 2025 كانت 433 بلدة لبنانية قد تعرضت للقصف، مع احتراق ما لا يقل عن 22 مليون متر مربع من الأراضي الخضراء، بينها 51.4 مليون متر مربع من الأراضي الزراعية والبساتين وحقول الزيتون. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70% من القطاع الزراعي في الجنوب تأثر بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا يعني أن الحرب لم تستهدف فقط السكان، بل استهدفت أيضا شروط بقائهم الاقتصادية والغذائية. فالزراعة في الجنوب ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل جزء من الاستقرار الاجتماعي والثقافي والقدرة على الصمود داخل القرى الحدودية».
وقالت «القرى الحدودية مثل الناقورة وكفركلا ويارون وعيترون تواجه اليوم مستويات متراكمة من الخطر. الخطر الأول مباشر ويتمثل في الحرائق والدخان والجزيئات السامة والإصابات الناتجة عن القصف والمواد الحارقة. أما الخطر الثاني فهو مؤجل ويتمثل في تشبع التربة بالمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية، وتلوث المياه الجوفية، وتسرب الصرف الصحي نتيجة تدمير البنى التحتية. وهناك أيضا خطر ثالث مرتبط بالنظام الغذائي نفسه، إذ يمكن أن تنتقل بعض الملوثات إلى المزروعات والأعلاف ثم إلى الماشية ومنتجاتها، ما يهدد سلامة الغذاء المحلي ويقوض ثقة السكان بمنتجاتهم الزراعية».
وخلصت إلى القول «ان حرب 2026 في جنوب لبنان تكشف عن نمط جديد من العنف، حيث يصبح تدمير البيئة جزءا من استهداف المجتمع نفسه. فحين تحرق الحقول، وتلوث المياه، وتدمر البنى الزراعية، لا يعود الأمر مجرد ضرر جانبي، بل يتحول إلى تقويض طويل الأمد لإمكانية الحياة والعودة والاستقرار. لذلك فإن إعادة الإعمار لا يمكن أن تقتصر على بناء المنازل والطرق، بل يجب أن تشمل أيضا إعادة تأهيل التربة والمياه والنظم البيئية، ودعم المزارعين، ووضع برامج طويلة الأمد لمعالجة التلوث وإزالة الذخائر، وإلا فإن الجنوب سيواجه شكلا ممتدا من النزوح البيئي والاجتماعي حتى بعد توقف الحرب».