مفرح الشمري
في كل مرة يقال فيها إن المسرح انتهى يعود المسرح ليقف فوق الخشبة كأنه يرد على الجميع: «أنا الفن الذي لا يغيب» مهما تغيرت الوسائل، وتبدلت الأذواق، وازدحمت الحياة بالمنصات السريعة والصور المختصرة.. ويبقى المسرح مختلفا عن كل الفنون لأنه «أبو الفنون».
فالمسرح ليس مجرد عرض يشاهد، بل إحساس حي يعاش بين الممثل والجمهور في اللحظة نفسها، ولهذا ظل - رغم كل التحولات - أكثر الفنون قدرة على البقاء، وأكثرها قربا من الناس، لأنه صوتهم الحقيقي للتعبير عما يعيشونه ويعانونه.
في الكويت، لم يكن المسرح نشاطا هامشيا أو موسما مؤقتا، بل كان جزءا من ذاكرة المجتمع نفسه. خشبة المسرح هنا لم تحمل الضحكة فقط، بل حملت ملامح الناس ولهجتهم وقصصهم وتحولات حياتهم، لذلك بقي المسرح الكويتي قريبا من الناس مهما تغير الزمن.
صناعة الشخصية
في الستينيات والسبعينيات بدأ المسرح الكويتي يصنع شخصيته الخاصة بعيدا عن التقليد والاستنساخ. كانت الأعمال تخرج من قلب البيئة الكويتية، ولهذا وصلت سريعا إلى قلوب الجمهور. فظهرت أعمال مهمة مثل «عشت وشفت» التي ناقشت التحولات الاجتماعية بروح قريبة من الناس، وكذلك «الكويت سنة 2000» التي حملت رؤية ساخرة للمستقبل بلغة بسيطة لكنها عميقة، إضافة إلى «الليلة يصل محقان» و«بني صامت»، وهي أعمال أكدت أن المسرح الكويتي كان قادرا منذ وقت مبكر على الجمع بين الكوميديا والفكرة والرسالة، في تلك المرحلة. كان المسرح يعيش حالة صدق حقيقية، النصوص تشبه الشارع، والشخصيات تشبه الناس، والضحكة لم تكن منفصلة عن القضية أو الفكرة.
العصر الذهبي
ثم جاءت الثمانينيات، وهي المرحلة التي يعتبرها كثيرون العصر الذهبي للمسرح الكويتي.. في تلك الفترة وصل المسرح الكويتي إلى ذروة حضوره خليجيا وعربيا، ليس بالكثرة فقط، بل بجودة الأعمال وتأثيرها، فظهرت أعمال خالدة مثل «باي باي لندن»، التي تحولت إلى علامة فارقة في تاريخ المسرح الخليجي، لأنها ناقشت الانبهار بالخارج والسلوك الاجتماعي بأسلوب ساخر وذكي مازال صالحا حتى اليوم، كما برزت «فرسان المناخ» التي وثقت أزمة سوق المناخ اقتصاديا واجتماعيا بطريقة كوميدية عميقة، إضافة إلى «حامي الديار» و«دقت الساعة»، اللتين حملتا بعدا وطنيا وسياسيا واضحا، وأكدتا أن المسرح الكويتي لم يكن مجرد مساحة للضحك، بل منصة حقيقية لطرح القضايا ومناقشة هموم المجتمع في تلك الفترة، فكانت الخشبة الكويتية تمتلك هويتها الكاملة، لكل فنان أسلوبه، ولكل كاتب لغته، ولكل عمل روحه الخاصة، لذلك بقيت تلك الأعمال حية حتى اليوم.
حالة وجدانية
مرحلة الغزو العراقي للكويت، وهي المرحلة التي غيرت وجدان الإنسان الكويتي بالكامل، وانعكس ذلك مباشرة على الفن والمسرح، فبعد التحرير، لم يعد المسرح مجرد ترفيه، بل أصبح مساحة لاستعادة الروح الوطنية والهوية الجماعية من خلال أعمال حملت وجع الناس ومشاعرهم وذاكرتهم الوطنية، مثل «فري الكويت» و«عاصفة الصحراء» و«سيف العرب» و«طاح مخروش» وغيرها من الأعمال التي كانت متنفسا للشعب بعد الظلم الذي عاشه طوال سبعة أشهر، هذه الأعمال لم تكن مجرد عروض مسرحية، بل حالة وجدانية عاشها الجمهور الكويتي بعد مرحلة صعبة ومؤلمة، لهذا ارتبطت تلك المسرحيات بذاكرة الناس لأنها خرجت من مشاعر حقيقية لا من نصوص مصطنعة.
وفي منتصف التسعينيات، شهد المسرح الكويتي تجربة مختلفة وغير مألوفة مع مسرحية «مصاص الدماء»، التي شكلت علامة بارزة في مسرح الرعب بالكويت والخليج، وحتى على مستوى المسرح العربي هذا العمل أثبت أن المسرح الكويتي لا يخاف من التجديد، وأنه قادر على دخول مناطق فنية جديدة مع المحافظة على روحه المحلية وحضوره الجماهيري، فالتجديد الحقيقي لا يعني تقليد الخارج، بل تقديم فكرة مختلفة بروح كويتية يفهمها الجمهور ويتفاعل معها.
التراث الشعبي
ومن أهم أسرار تميز المسرح الكويتي قدرته على توظيف التراث الشعبي بذكاء، لا بوصفه ديكورا أو استعراضا شكليا، فالرقصات الشعبية، والأغاني البحرية، والإيقاعات الكويتية القديمة، كانت تدخل بعض العروض المسرحية بانسجام طبيعي مع الحدث الدرامي، فتبدو جزءا من الحكاية نفسها لا فقرة منفصلة عنها.
وهنا يكمن الفرق بين التوظيف الحقيقي للتراث والإقحام، فالعمل الناجح لا يضع الرقص الشعبي فقط لإثارة الحنين أو التصفيق اللحظي، بل يجعله يخدم المشهد ويعبر عن الحالة الشعورية للشخصيات ويعزز هوية العرض. وحين يستخدم التراث بهذه الطريقة، يتحول إلى روح تسكن المسرحية، لا مجرد زينة فوق الخشبة.
نسخ متشابهة
ورغم كل هذا التاريخ، يبقى التحدي الأكبر أمام المسرح اليوم هو الاستسهال الفني ومحاولات التقليد المتكررة، فعندما يتحول بعض الفنانين إلى نسخ متشابهة يفقد المسرح أهم ما يميزه التنوع، والهوية، والبصمة الخاصة. الفنان الحقيقي لا يدخل المسرح ليضحك الجمهور بأي طريقة، بل ليترك أثرا يبقى بعد انتهاء العرض، فالضحكة السهلة قد تنجح ليلة، لكن العمل الصادق يعيش سنوات طويلة.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في حماية هوية المسرح الكويتي، ودعم الأعمال الجادة، والمحافظة على قيمة الخشبة من محاولات الابتذال أو التقليد السريع الذي قد يفقد المسرح مكانته الثقافية.
مساحة مفتوحة
مسؤولية الحفاظ على المسرح لا تقع على المجلس الوطني وحده، بل تبدأ أولا من الفنان نفسه، فالمسرح ليس مساحة مفتوحة لتكرار ما ينجح عند الآخرين، ولا منصة للانتشار المؤقت، لأن المسرح الكويتي له شخصيته الخاصة، وروحه المرتبطة بعادات المجتمع وقيمه، وهذا ما يجب أن ينعكس في طبيعة النصوص والأداء والأسلوب الفني المقدم على خشباته، بعيدا عن «الحركات التجارية» التي تحدث حاليا لجذب الجمهور!
المسرح الكويتي لم يصنع تاريخه بالكثرة، بل بالقيمة التي قدمها طوال مسيرته، وسيبقى قادرا على تقديم هذه القيمة ما دام هناك فنانون يؤمنون بأن الفن رسالة، وأن الخشبة مسؤولية، وأن احترام المجتمع لا يتعارض مع الإبداع، بل يمنحه قوة، لأن المسرح الذي لا يموت هو المسرح الذي يحترم نفسه أولا.