بقلم: طارق جعفر الوزان - باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية
أزمة هرمز لم تعد أزمة نفط فقط، بل اختبارا لمن يملك القدرة على الاستمرار عندما تتعطل الجغرافيا. فالدول التي تستطيع الحفاظ على تدفق صادراتها وقت الأزمات هي التي تحصد النفوذ والعوائد، وليس بالضرورة الدول التي تملك أكبر الاحتياطيات. يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس الاستهلاك النفطي العالمي، إضافة إلى حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
لذلك فإن أي اضطراب طويل في هذا الشريان الحيوي لا يهدد أسواق الطاقة فقط، بل يعيد تسعير المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية عالميا. فارتفاع أسعار النفط ليس سوى الجزء الظاهر من الأزمة. أما التأثير الأعمق فيكمن في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وعودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات الكبرى.
لكن المفارقة الأبرز أن أكبر المستفيدين من اضطراب الخليج ليسوا الدول الأقرب إلى النفط، بل الدول القادرة على التصدير خارجه، وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة.
موسكو وواشنطن.. الرابح الأكبر من اضطراب الطاقة بينما واجهت صادرات الخليج اختناقات متزايدة، واصلت روسيا تصدير النفط إلى آسيا وأوروبا عبر موانئ وخطوط بعيدة عن الخليج العربي، مستفيدة من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على الإمدادات البديلة.
وخلال الأزمة، حافظت موسكو على تدفقات تصديرية قوية، مع ارتفاع واضح في الإيرادات النفطية، ما أكد قدرة روسيا على تحويل الاضطرابات الجيوسياسية إلى مكاسب مالية واستراتيجية. أما الولايات المتحدة، فقد عززت موقعها كأكبر منتج مرن خارج الخليج، مع ارتفاع صادرات النفط الخام والطاقة إلى مستويات تاريخية.
ومع تجاوز أسعار خام غرب تكساس حاجز 100 دولار للبرميل، اقتربت العوائد اليومية لصادرات الخام الأميركية وحدها من نصف مليار دولار يوميا، ما يعني أن إجمالي العوائد خلال نحو 75 يوما تجاوز 35–40 مليار دولار من صادرات الخام فقط، دون احتساب الغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية الأخرى. لكن المكسب الأميركي لم يكن ماليا فقط، بل استراتيجيا أيضا. فقد عززت واشنطن موقعها كمصدر طاقة عالمي وصمام أمان للأسواق، مع ارتفاع اعتماد أوروبا وآسيا على الإمدادات الأميركية خلال أخطر اضطراب جيوسياسي للطاقة منذ سنوات.
إذا استمرت الأزمة.. العالم أمام صدمة اقتصادية واسعة إذا طال أمد التوتر أو تعرضت حركة النفط عبر مضيق هرمز لتعطل واسع ومستمر، فإن التداعيات لن تبقى داخل أسواق الطاقة، بل ستمتد سريعا إلى الاقتصاد الحقيقي وتكاليف المعيشة حول العالم.
فالخطر لا يتعلق فقط بسعر النفط، بل بالموقع الحساس الذي يحتله مضيق هرمز في منظومة الطاقة العالمية. وأي اضطراب طويل في هذا الممر الحيوي يعني عمليا ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل والطاقة في معظم الاقتصادات الكبرى. آسيا تبدو الطرف الأكثر هشاشة أمام هذا السيناريو، بسبب اعتماد اقتصاداتها الصناعية الكبرى على واردات الطاقة الخليجية.
ومع استمرار الاضطراب، تبدأ الضغوط بالانتقال من أسواق النفط إلى النشاط الاقتصادي نفسه: ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء، تراجع هوامش الصناعات الثقيلة، تضخم الشحن والتأمين، وضغوط متزايدة على الإنتاج الصناعي والغذاء. أما الخطر الأكبر، فلا يكمن في الأسعار وحدها، بل في احتمال تحول الأزمة من «أزمة أسعار» إلى «أزمة إمدادات فعلية»، خصوصا في الديزل ووقود الطائرات، إذا طال تعطل خامات الخليج المتوسطة والثقيلة التي تعتمد عليها مصاف رئيسية في آسيا وأوروبا.
الكويت أمام لحظة سيادية لا تحتمل التأجيل أولى الأولويات الاستراتيجية للكويت اليوم تتمثل في إنشاء منفذ تصدير نفطي بديل خارج مضيق هرمز، وهو المشروع الأكثر أهمية على المستوى السيادي والاقتصادي. فالكويت تعد من أكثر دول الخليج ارتباطا بالمضيق، مقارنة ببعض الدول الخليجية اللتين تمتلكان خطوط تصدير بديلة جزئيا، ما يجعل أي اضطراب طويل أو حصار ممتد تهديدا مباشرا لاستمرارية التدفقات النفطية والإيرادات العامة.
ولهذا فإن المطلوب لم يعد مجرد دراسة مستقبلية أو مشروع طويل الأجل، بل تحرك استراتيجي عاجل لإنشاء ربط متكامل مع المملكة العربية السعودية يشمل: خطوط تصدير بديلة، مرافق تخزين استراتيجية، شبكات نقل ولوجستيات، وربطا مباشرا بموانئ البحر الأحمر أو بحر العرب، فالرهان على انتهاء الأزمة سريعا قد يكون خطأ استراتيجيا مكلفا.
فكلما طال أمد الصراع أو تحول إلى حالة استنزاف أو حصار طويل، ارتفعت الكلفة المالية والاقتصادية على المنطقة، خصوصا على الدول الأكثر ارتباطا بمضيق هرمز. وفي عالم الطاقة، لا تقاس المخاطر فقط بحجم الخسائر الحالية، بل بحجم التعطل المحتمل إذا فقدت الدولة القدرة على التصدير أو تراجعت ثقة الأسواق في استمرارية الإمدادات.
وفي هذا السياق، يبرز التعاون مع الشركات النفطية الإقليمية باعتباره الخيار الأكثر واقعية، نظرا لخبرتها العالمية في إدارة خطوط الأنابيب والبنية التحتية للطاقة، إضافة إلى امتلاك دول المنطقة بالفعل لمسارات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
كما أن طبيعة المشروع تتطلب شراكات تنفيذية وتقنية عالمية، لكن العنصر الأهم لا يتمثل فقط في التنفيذ الفني، بل في إدخال شركاء دوليين يمتلكون مصلحة مباشرة في استقرار هذا الممر الحيوي.
ولهذا تبرز أهمية إشراك شركات صينية عملاقة كمطورين أو ممولين استراتيجيين، بحيث يتحول المشروع إلى جزء من منظومة المصالح الاقتصادية العالمية، وليس مجرد مشروع خليجي محلي، فالصين تعد أكبر مستورد للطاقة الخليجية عالميا، ومشاركتها تمنح المشروع بعدا جيوسياسيا يرفع الكلفة الدولية لأي محاولة لتهديده أو تعطيله.
الخلاصة: القوة لم تعد في النفط وحده تكشف أزمة هرمز حقيقة استراتيجية شديدة الوضوح: أسواق الطاقة لا تكافئ دائما الدولة الأقرب إلى النفط، بل الدولة الأكثر قدرة على الاستمرار والتصدير وقت الأزمات.
وأخطر ما تكشفه الأزمة ليس هشاشة الممرات البحرية فقط، بل هشاشة الاقتصادات التي تعتمد على مصدر دخل واحد، ومسار تصدير واحد، وسلاسل إمداد طويلة، وفي عالم الأزمات الطويلة، لم تعد الثروة في امتلاك الطاقة فقط.. بل في القدرة على إبقائها متدفقة عندما تتعطل الجغرافيا نفسها.