مفرح الشمري
تواصل فرقة المسرح الشعبي تأكيد حضورها على الساحة المسرحية من خلال إعادة عرضها «تجمعنا قهوة» للجمهور بعدما قدم ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان الكويت المسرحي في دورته الـ25، حاملا رؤية اجتماعية تتجاوز الإطار الترفيهي لتلامس قضايا عربية معاصرة باتت تشكل هاجسا يوميا للمجتمعات.
وتكتسب المسرحية أهمية خاصة لكونها تمثل عودة قوية للفرقة إلى المسرح الجماهيري من خلال عمل يجمع نخبة من الفنانين المخضرمين والشباب، في خطوة تعكس تمسك المسرح الشعبي بدوره التاريخي كمنصة فنية تواكب التحولات الاجتماعية وتناقش قضايا الناس بلغة قريبة منهم.
وينطلق العمل من فكرة الفنان القدير جاسم النبهان، بينما صاغت الكاتبة تغريد الداود أحداثه، وأخرجه نصار النصار برؤية اعتمدت على المزج بين الكوميديا والرسائل الفكرية، مستفيدا من فريق فني متكامل ضم محمد الربيعان في الديكور، وجاسم خريبط في التنفيذ، ومحمد النصار للموسيقى، وعبدالقدوس إسماعيل للإضاءة، إلى جانب مجموعة من الكفاءات التي أسهمت في خروج العرض بصورة متكاملة.
ويضم العمل كوكبة من الفنانين بينهم: جاسم النبهان، خليفة خليفوه، عبير الجندي، عبدالوهاب حسين، أسامة حمد، محمد الشايجي، عبدالله الدبيس، عباس مال الله، جاسم محمد، فهد النبهان وحنين سالمة، إلى جانب عدد من المشاركين الذين شكلوا لوحة جماعية عكست طبيعة العمل القائمة على تعدد الشخصيات والرؤى.
ولم يكن عنوان «تجمعنا قهوة» مجرد إطار للأحداث، بل جاء بوصفه رمزا لمساحات اللقاء اليومية التي تتشكل فيها الآراء وتنتقل الأخبار وتتقاطع وجهات النظر، فمن خلال هذا الفضاء البسيط، يسلط العرض الضوء على واحدة من أكثر القضايا تأثيرا في الواقع العربي المعاصر، وهي خطورة الشائعات والأخبار المضللة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن تسببه من تصدع في النسيج الاجتماعي وإرباك للرأي العام.
وتتناول المسرحية التي ستعرض على خشبة مسرح الشامية الاسبوع المقبل، بأسلوب ساخر ومباشر في الوقت نفسه، ظاهرة البحث المحموم عن «الترند»، وكيف تحولت بعض المنصات إلى أدوات لنشر معلومات غير دقيقة أو مضللة بهدف تحقيق الانتشار، حتى لو كان ذلك على حساب الأسرة أو المجتمع أو استقرار الأوطان. كما تطرح تساؤلات حول الجهات التي تقف خلف صناعة الشائعات، والدور الذي يلعبه بعض المؤثرين في ترويج محتوى يهدف إلى التشكيك وإضعاف الثقة داخل المجتمعات العربية.
وقد نجح العرض في مهرجان الكويت المسرحي بدورته الأخيرة، في تحقيق تفاعل جماهيري لافت، حيث وجد الجمهور نفسه أمام قضايا يعيشها يوميا ويتابع تفاصيلها عبر هاتفه ومنصاته الرقمية، الأمر الذي منح العمل بعدا واقعيا وجعل رسالته أكثر قربا وتأثيرا.
وتؤكد مسرحية «تجمعنا قهوة» أن المسرح الشعبي مازال قادرا على أداء دوره التنويري والاجتماعي، وأن العودة إلى الخشبة لا تعني استعادة الذكريات فقط، بل تقديم أعمال تواكب المتغيرات وتناقش القضايا الأكثر حضورا في حياة الناس، وهو ما منح هذا العمل أهمية خاصة بوصفه عودة تحمل مضمونا ورسالة قبل أن تكون مجرد عودة فنية.