انطلاقا من أن الثروة النفطية في دولة الكويت هي عماد هذا الوطن ومصدر قوته الاقتصادية، وتنفيذا لما ارتآه المشرع من أن أنسب السبل لإدارة الثروة النفطية هو إنشاء مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي قادرة على إدارة الصناعة النفطية في البلاد بما يحافظ عليها ويعظم إيرادات الدولة منها، فقد صدر المرسوم بقانون رقم (6) لسنة 1980 بإنشاء مؤسسة البترول الكويتية (المؤسسة). وقد تضمنت نصوص المرسوم بقانون إنشاء المؤسسة بيان أنها مؤسسة عامة ذات طبيعة اقتصادية وأنها جهاز الدولة المعني بالقيام بكافة الأعمال المتعلقة بصناعات البترول والمواد الهيدروكربونية بصفة عامة في كافة مراحلها وبالصناعات المتفرعة من هذه الصناعات أو المرتبطة أو المتعلقة أو المكملة لها، سواء في داخل دولة الكويت أو في الخارج.
واتساقا مع فلسفة دستور دولة الكويت في تنظيمه للمؤسسات العامة والتي ترتكز على كفالة استقلالية تلك المؤسسات بشئونها واقتصار دور الدولة بشأنها على التوجيه والرقابة حيث تنص المادة (133) من دستور دولة الكويت على أن: «ينظم القانون المؤسسات العامة وهيئات الإدارة البلدية بما يكفل لها الاستقلال في ظل توجيه الدولة ورقابتها»، فقد أفرد المشرع المؤسسة - في المرسوم بقانون إنشائها - ببعض الأحكام الخاصة كونها مؤسسة عامة ذات طبيعة اقتصادية وتنهض بصفة أساسية بنشاط تجاري وتدار على أسس تجارية وتكتسب صفة التاجر في تعاقداتها مع الغير مما يستلزم قدر كبير من المرونة والسرعة في القيام بأنشطة المؤسسة وفي إدارتها بما يكفل لها الاستقلال في ظل توجيه الدولة ورقابتها».
تحديث قانون إنشاء المؤسسة: حوكمة أوسع ومرونة مطلوبة ومنظومة رقابية فاعلة
وبعد مرور أكثر من ستة وأربعين عاما على إنشاء المؤسسة بموجب المرسوم بالقانون رقم (6) لسنة 1980 ارتأى المشرع الحاجة الملحة لإدخال تعديلات على بعض أحكامه فأصدر بتاريخ 23 يونيو 2026 المرسوم بقانون رقم (67) لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون إنشاء المؤسسة ونشر في «الكويت اليوم» بالعدد رقم 1797 بتاريخ 28 يونيو 2026، وقد استهدفت التعديلات تحقيق غايات عديدة أهمها:
٭ تمكين المؤسسة من مواكبة التغيرات والتطور الحاصل في الصناعة النفطية العالمية.
٭ تمكين المؤسسة من تعظيم الإيرادات النفطية لدولة الكويت.
٭ تعزيز قدرة المؤسسة على تنفيذ استراتيجيتها المحدثة حتى عام 2040 المعتمدة من المجلس الأعلى للبترول.
٭ الحفاظ على مكانة دولة الكويت الرائدة إقليميا وعالميا في مجال النفط والطاقة.
٭ تذليل بعض المعوقات التي لم تكن موجودة عند نشأة المؤسسة وتم استحداث تطبيقها على المؤسسة - بموجب تشريعات أخرى - دون النظر لطبيعة المؤسسة الاقتصادية وكون إدارتها تتم على أسس تجارية تتطلب السرعة والمرونة في اتخاذ القرارات.
٭ كفالة استقلالية المؤسسة بشئونها في ظل توجيه الدولة ودون الإخلال برقابة الدولة على النحو الذي أوجبته المادة (133) من دستور دولة الكويت.
وتمثلت أبرز التعديلات التي تضمنها المرسوم بالقانون رقم (67) لسنة 2026 في:
٭ إضافة غرض جديد للمؤسسة هو القيام بكل ما يلزم لتوفير الطاقة المتجددة لاحتياجات المؤسسة وشركاتها التابعة بعد الحصول على موافقة وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة لربط الطاقة المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة بالشبكة الوطنية للكهرباء وفقا للضوابط والاشتراطات المعمول بها.
٭ أعاد المشرع تنظيم أحكام مجلس إدارة المؤسسة الذي يتولى شؤون إدارتها وتحديد اختصاصاته، فضلا عن إعادة تحديد وزيادة اختصاصات المجلس الأعلى للبترول دون إثقاله باختصاصات إدارية وتنفيذية تخرج عن الاختصاصات التي أنشئ لها أساسا والمبينة في المرسوم رقم (2) لسنة 1974 بإنشاء المجلس الأعلى للبترول والمتمثلة في توليه «رسم السياسة العامة للثروة البترولية للمحافظة عليها وحسن استغلالها وتنمية الصناعات المرتبطة بها والمنبثقة عنها».
وقد عززت تلك التعديلات وضوح الاختصاصات والأدوار ومسارات اتخاذ القرار الاستثماري والتجاري داخل المؤسسة.
٭ حظر المشرع استخدام الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة للتعاقد مع المؤسسة أو الشركات المملوكة لها بالكامل، بأي شكل من الأشكال، سواء أثناء إبرام العقد أو تنفيذه، وذلك بغرض تقليل التكاليف المالية التي تقع على المؤسسة وشركاتها التابعة من جراء وسيط إلزامي، ولإحكام الرقابة على التعاقدات التي تجريها المؤسسة أو شركاتها التابعة، وتقليل مخاطر الإخلال بهذه التعاقدات.
استمرار أوجه الرقابة الفعالة على المؤسسة
تحقق التشريعات واللوائح والنظم الداخلية المنطبقة على المؤسسة وشركاتها التابعة التوازن بين متطلبات القطاع النفطي من مرونة تشغيلية وسرعة في اتخاذ القرارات التجارية والاستثمارية وتوسيع المنافسة من جهة وبين كفالة وجود رقابة فعالة على القطاع النفطي باعتبار أن أموال المؤسسة وشركاتها التابعة تعد أموالا عامة يلتزم الكافة بحمايتها وصونها عملا بأحكام دستور دولة الكويت وأحكام القانون رقم (1) لسنة 1993 بشأن حماية الأموال العامة من جهة أخرى.
فالمؤسسة وشركاتها التابعة كانت ولا زالت - حتى بعد تعديل المرسوم بقانون إنشاء المؤسسة - تخضع، وهي تمارس اختصاصاتها ومهامها، لمنظومة رقابية فعالة تشمل:
٭ الرقابة اللاحقة لديوان المحاسبة على أعمال المؤسسة وشركاتها التابعة وتعاقداتها.
٭ جهاز التدقيق الداخلي بالمؤسسة وشركاتها التابعة.
٭ المدقق الخارجي الذي يعينه المجلس الأعلى للبترول.
٭ إدارة الفتوى والتشريع وسائر الجهات الرقابية المختصة.
حزمة إصلاحات تشريعية تعكس سعي الدولة
لجذب الاستثمار الأجنبي وفتح السوق والاقتصاد لجميع المستثمرين دون الحاجة لوكيل محلي
شهدت دولة الكويت خلال الفترة الأخيرة - بجانب تعديل المرسوم بقانون إنشاء المؤسسة - حزمة إصلاحات تشريعية مهمة استهدفت تنفيذ التوجهات الاقتصادية الحالية لدولة الكويت الرامية لفتح الأسواق والاقتصاد لجميع المستثمرين والسعي لجذب الاستثمار الأجنبي وإزالة معوقاته والتنافس على تقديم أفضل المنتجات والخدمات وبأقل الأسعار، وهي تشريعات لها انعكاس مباشر على تعاقدات المؤسسة وشركاتها التابعة، ومن هذه التشريعات ذات الأثر الاقتصادي الهام:
1 - القانون رقم (1) لسنة 2024 ليعدل المادة (24) من المرسوم بالقانون رقم (68) لسنة 1980 بإصدار قانون التجارة، والمادة (31) من القانون رقم (49) لسنة 2016 بشأن المناقصات العامة والذي تم نشره في «الكويت اليوم» بالعدد رقم 1671 بتاريخ 21 يناير 2024، وعمل به من تاريخ نشره. وتتمثل أهمية هذا القانون في السماح للشركة الأجنبية بإنشاء فرع لها في الكويت ومباشرة أعمالها فيها دون الحاجة إلى وكيل محلي إلزامي. وقد بين المشرع غاية هذا التعديل في فتح الأسواق والاقتصاد لجميع المستثمرين والسعي لجذب الاستثمار الأجنبي وإزالة معوقاته والتنافس على تقديم أفضل المنتجات والخدمات وبأقل الأسعار.
ويعد ذلك التعديل تحولا مهما في بيئة الأعمال، لأنه يزيل قيدا كان يؤثر في طريقة دخول الشركات الأجنبية إلى السوق الكويتي وفي هيكل تكاليفها ومسؤولياتها التعاقدية. ومن شأن هذا التعديل بالنسبة للقطاع النفطي توسيع قاعدة الشركات المؤهلة للمشاركة في المشروعات النفطية وفي سائر تعاقدات المؤسسة وشركاتها التابعة.
غير أن إلغاء شرط الوكيل المحلي لا يعني الإعفاء من متطلبات الترخيص، أو التسجيل، أو الضرائب أو العمالة أو غيرها من القواعد الآمرة، كما لا يعني جواز إسناد العقود مباشرة من دون منافسة، إنما المقصود هو تمكين الشركة الأجنبية من التعامل والتعاقد بنفسها، من دون وسيط إلزامي، مع استمرار خضوع اختيار المتعاقد للقواعد والإجراءات واجبة التطبيق.
2 - المرسوم بقانون رقم (94) لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (49) لسنة 2016 بشأن المناقصات العامة والذي تم نشره في «الكويت اليوم» بالعدد رقم 1810 بتاريخ 27 سبتمبر 2026 وسيبدأ العمل به بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره بالكويت اليوم. وقد أعاد هذا التشريع تنظيم نطاق اختصاص الجهاز المركزي للمناقصات العامة (الجهاز) ولجان الشراء في المؤسسة وشركاتها التابعة، فجعل الجهاز مختصا، في حالات الشراء النمطية التي تنفذ داخل الكويت، بالعقود التي تزيد قيمتها على عشرين مليون دينار، بينما تختص لجان الشراء في المؤسسة وشركاتها التابعة بالعقود التي لا تزيد على عشرين مليون دينار كويتي، مع إمكان زيادة النصاب المذكور بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح مجلس إدارة المؤسسة. كما قرر استثناء العمليات النفطية، وفق تعريفها التشريعي، من أحكام قانون المناقصات العامة أيا كانت قيمتها، مع مراعاة المادة (152) من الدستور. وتظل مبادئ الشفافية والإفصاح والالتزام والحوكمة والعدالة وتكافؤ الفرص وعدم تضارب المصالح ركائز واجبة في القواعد والإجراءات الخاصة بالمشتريات النفطية.
وقد أضاف هذا التشريع فقرة أخيرة لأحكام المادة (31) من قانون المناقصات العامة تنص على أنه «يحظر استخدام الوكيل المحلي أو الوكيل بالعمولة بكافة إجراءات التعاقد، وفقا للقواعد التي يقرها مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص بعد التنسيق مع الجهات ذات الصلة».
والحظر المنصوص عليه في هذه المادة هو الذي سينطبق على المؤسسة وشركاتها التابعة عند بدء سريان أحكام هذا القانون حيث سيصبح ملغيا نص المادة (18) المعدلة من المرسوم بقانون إنشاء المؤسسة وذلك عملا بنص البند الثاني من المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم (94) لسنة 2026.
خلاصة
تكشف التطورات التشريعية في الكويت عن انتقال تدريجي من تنظيم تقليدي للقطاع النفطي إلى منظومة أكثر تخصصا ومرونة وانفتاحا على المنافسة. وقد حافظت هذه المنظومة على الدور السيادي للدولة في إدارة الثروة البترولية، وفي الوقت نفسه وسعت قدرة مؤسسة البترول الكويتية على العمل باستقلالية وفق أسس اقتصادية وتجارية في ظل توجيهات الدولة وأوجه رقابة فعالة، ومكنت الشركات الأجنبية من دخول السوق من دون وكيل محلي، وأعادت توزيع الاختصاص بتنظيم عقود الشراء المتعلقة بالقطاع النفطي.