- الكويت تتجاوز المتوسط العالمي في تبني الذكاء الاصطناعي
- 93% من موظفي الخطوط الأمامية يستخدمون أدوات الذكاء بانتظام
أحمد مغربي
في مكتب خاص داخل برج شاهق يطل على شارع الخليج العربي، لم يعد الموظف يبدأ صباحه كما اعتاد قبل سنوات: بريد إلكتروني يتصفحه، ومهام يراجعها، ثم صفحة بيضاء ينطلق منها يومه.
اليوم تغير المشهد، يفتح برنامجا للذكاء الاصطناعي يدفع مقابله اشتراكا شهريا يصل بحده الأدنى إلى نحو 20 دولارا، ثم يبدأ عمله بإيقاع مختلف، في دقائق، يطلب تلخيص تقرير طويل، ويعيد صياغة خطاب، ويستخرج النقاط الرئيسية لاجتماع قريب، قبل أن ينتقل إلى مراجعة جدول أو إعداد عرض مختصر.
وعلى مسافة غير بعيدة، من مدينة الكويت، حيث مركز المال والأعمال، يجلس طالب في إحدى قاعات جامعة الكويت، ويستعين بأداة مشابهة لتلخيص محاضرة وتنظيم ملاحظاته وفهم جزء من المحاضرات لم يتمكن من مذاكرته، وفي الوقت نفسه يحاور عميل مساعدا رقميا داخل تطبيق مصرفي، ويجرب مشتر في متجر إلكترونيات هاتفا جديدا يعتمد على الذكاء الاصطناعي في التصوير والترجمة والبحث. مشاهد تبدو منفصلة، لكنها ترسم صورة واحدة ليوم كويتي يتغير بسرعة، فالذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية تخص المبرمجين، ولا موضوعا يتردد في المؤتمرات وقاعات الشركات وحدها، بل أصبح حاضرا في المكتب والجامعة والبنك والهاتف وشركات الاتصالات والمتاجر، يتسلل إلى تفاصيل صغيرة تتكرر عشرات المرات في اليوم.
والأهم أن المستخدم لم يعد مضطرا إلى البحث عن الذكاء الاصطناعي ليستخدمه، فالتقنية هي التي تصل إليه عبر الهاتف والتطبيقات وبرامج العمل ومنصات التسوق والخدمات المصرفية، لتنتقل تدريجيا من أداة إضافية إلى جزء من البنية اليومية للحياة الرقمية.
من تجربة عابرة إلى عادة يومية
تعكس الأرقام سرعة هذا التحول، فوفق أحدث تقرير لـ «مايكروسوفت» عن انتشار الذكاء الاصطناعي عالميا، ارتفعت نسبة استخدام الأدوات الذكية في الكويت بين السكان في سن العمل من 21.1% في الربع الأول من 2026 إلى 22.6% في الربع الثاني، بزيادة 1.5 نقطة مئوية في ثلاثة أشهر فقط.
وفي الفترة نفسها بلغ المتوسط العالمي 18.8%، ما يعني أن الاستخدام في الكويت يتجاوزه بنحو 3.8 نقطة مئوية، ويضع السوق الكويتي بين الاقتصادات التي يسجل فيها تبني الأدوات الذكية مستويات أعلى من المتوسط العالمي.
غير أن الرقم وحده لا يروي القصة كاملة، ففي خلفيته تغير واضح في السلوك، مستخدم فتح الأداة بدافع التجربة وأصبح يعود إليها باستمرار، وموظف استعان بها مرة لإعداد رسالة بدأ يوظفها في أكثر من مرحلة من عمله، وطالب لجأ إليها للبحث ويعتمد عليها في التلخيص والمراجعة والترجمة وتنظيم الأفكار.
ساعات العمل يعاد توزيعها
تتجلى إحدى أوضح صور هذا التحول في بيئة العمل المحلية، فالأدوات الذكية بدأت تتولى جزءا من المهام التي كانت تستنزف وقت الموظف، من تلخيص المستندات وصياغة الرسائل إلى تحليل البيانات وإعداد العروض والبحث والترجمة ومراجعة المحتوى.
وليست القصة هنا أن الذكاء الاصطناعي «ينجز المهمة» فحسب، بل أنه يعيد توزيع وقت الموظف نفسه، فالساعة التي كانت تستغرقها مسودة أولية أو مراجعة عشرات الصفحات يمكن أن تتحول إلى تحليل أعمق أو خدمة عميل أو متابعة مشروع أو اتخاذ قرار.
وتكشف دراسة «بوسطن كونسلتينغ غروب» لعام 2026 أن 93% من موظفي الخطوط الأمامية في أسواق الشرق الأوسط التي شملتها الدراسة يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام، يوميا أو عدة مرات أسبوعيا، مقابل متوسط عالمي يبلغ 74%.
وعلى مستوى العالم، يظهر أثر هذا الاستخدام في الوقت المستعاد، إذ قال 42% من موظفي الخطوط الأمامية المستخدمين المنتظمين إنهم يوفرون يوم عمل كاملا أو أكثر في الأسبوع.
وفي مكتب بالكويت، يمكن ترجمة ذلك مباشرة: وقت أقل في البحث والنسخ وإعداد المسودات، ووقت أوفر لمراجعة القرار والتواصل مع العملاء وإنجاز أعمال ذات قيمة أعلى.
الذكاء يعمل من الخلفية
وبعد انتهاء الدوام، لا يغيب الذكاء الاصطناعي، فالهاتف الذي يحمله المستخدم طوال يومه صار أكبر بوابة لهذه التقنية: الكاميرا تحسن الصورة تلقائيا، والجهاز يقترح النص ويترجم المحتوى ويلخص الرسائل ويعين على البحث، بينما تعرض منصات التسوق منتجات تناسب الاهتمامات، وتوظف التطبيقات المصرفية مساعدين رقميين للإجابة عن الأسئلة وتوجيه العملاء.
وهكذا صار جزء كبير من استخدام الذكاء الاصطناعي شبه خفي، يعمل في الخلفية دون أن يحمل اسمه دائما على الشاشة، وهو ما يجعل حضوره الفعلي أوسع من عدد من يفتحون تطبيقا مخصصا له.
ومع اتساع هذا الحضور تتبدل المهارات المطلوبة، فلم تعد المهارة في معرفة كيفية تنفيذ المهمة وحدها، بل في توجيه الأداة وطرح السؤال بصيغته الصحيحة ومراجعة المخرجات واكتشاف الخطأ، ثم تحويل النتيجة إلى عمل صالح للاستخدام.
سوق جديد يتشكل حول التقنية
وهنا تبرز القصة الاقتصادية الأوسع، فكلما انتقل الذكاء الاصطناعي من تجربة إلى عادة، نشأت حوله أنشطة جديدة: اشتراكات شهرية في البرامج، وخدمات سحابية، وهواتف وأجهزة أكثر تطورا، وتدريب، وأمن سيبراني، وتطوير تطبيقات، واستشارات تقنية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد منتجا واحدا يشترى، بل منظومة كاملة تتحرك حولها شركات وموردون ومطورون ومستخدمون. وفي السوق الكويتي، يفتح هذا التحول بابا أمام الشركات الناشئة والمطورين ومقدمي الحلول الرقمية، لأن كل استخدام جديد يولد حاجة جديدة:
شركة تريد أداة أكثر تخصصا، وموظف يحتاج إلى تدريب، ومؤسسة تبحث عن حماية بياناتها، وعميل يطلب خدمة أسرع وأذكى.
هل نرى تكنولوجيا كويتية في الذكاء الاصطناعي؟
يطرح هذا المشهد سؤالا يتجاوز الاستخدام إلى الإنتاج: هل يبقى الكويتي مستهلكا للأدوات الذكية، أم يصبح جزءا ممن يصنعونها؟ فحين يكون مزود الأداة خارج البلاد، يتجه جزء من الإنفاق عليها إلى خارج السوق المحلي، وتتراكم القيمة المضافة من تطوير وبيانات وخبرة هناك.
والإجابة الواقعية لا تحتاج إلى الذهاب بعيدا. فبناء النماذج الكبرى يتطلب موارد حوسبة وكفاءات واستثمارات لا تتوفر لشركة ناشئة محلية، ولا ينبغي أن يكون هذا هو المعيار. أما الفرصة الحقيقية فتقع في الطبقة التي تلامس المستخدم: التطبيقات والحلول المبنية فوق تقنيات جاهزة، والمصممة لتفهم السوق الذي تخدمه. ومن هنا تبدأ ميزة الشركات المحلية، فهي أقرب إلى الاحتياجات الفعلية للبنوك والجهات الحكومية والجامعات والمتاجر وشركات الاتصالات داخل الكويت، وأقدر على التعامل مع اللغة العربية بلهجتها المحلية وسياقها الخاص، وعلى بناء حلول تراعي متطلبات حماية البيانات التي تهم المؤسسات.
الإنسان يبقى آخر محطة للمراجعة
مهما بلغت سرعة الأداة الذكية، تبقى المراجعة البشرية جزءا أساسيا من الاستخدام المهني، فالذكاء الاصطناعي يستطيع إعداد مسودة أو تلخيص وثيقة أو اقتراح تحليل، لكنه قد ينتج معلومة غير دقيقة أو يسيء فهم السياق أو يقدم نتيجة تحتاج إلى تدقيق. ولهذا تتغير قيمة الموظف ولا تختفي، فالمهمة تنتقل من تنفيذ كل خطوة يدويا إلى توجيه الأداة وفحص النتيجة والتحقق من المصادر واتخاذ القرار النهائي. ومع توسع الاستخدام في الشركات، تصبح القدرة على الجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي والحكم البشري مهارة تحدد جودة الاستخدام، لا مجرد امتلاك الأداة، وهذه المهارة نفسها تفتح فرصة تدريبية وخدمية يمكن أن تبني عليها شركات محلية أعمالا جديدة.
20 دولاراً تفتح سوق الاشتراكات الذكية
لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي دائما خدمة مجانية، فقد انتقل جزء من السوق إلى نموذج الاشتراكات الشهرية، يدفع فيه المستخدم مقابل أدوات أكثر تطورا وسرعة ومزايا إضافية. وبذلك ينضم الذكاء الاصطناعي إلى قائمة الفواتير الرقمية التي صارت جزءا من إنفاق الأفراد والشركات، إلى جانب التخزين السحابي وبرامج العمل والمنصـات الرقمية.
ومع انتقال مزيد من المستخدمين من النسخ المجانية إلى المدفوعة، تنشأ سوق لا تقوم على بيع البرامج فحسب، بل على علاقة مستمرة مع العميل يدفع فيها شهرا بعد شهر، فتتحول الأداة الذكية إلى بند متكرر في ميزانية العمل والحياة الرقمية.
وهو بند يطرح بدوره سؤال المنافسة المحلية: ما الذي يمكن أن تقدمه شركة كويتية ليحجز لنفسها مكانا بين هذه الاشتراكات؟