العباقرة أناس لهم قدرات فائقة في التحليل والاستنتاج، إلى درجة عالية مبهرة، يرمقون الأحداث عن كثب ويطلقون العبارات التي تتفجر بالعبقرية، يصف لك أحدهم ما يدور حولك وهو متكئ في مجلسه، يحتسي الشاي بكل هدوء ويسحرك بحديثه وقد جعل من الرشفات فاصلا ليعطيك وقتا لتستوعب العيار الثقيل، يحدثك بكل ثقة وبرود، ملوحا بيده في الوقت الذي يصر فيه على عينه، كنوع من التركيز، تقاسيم وجهه وحركات يديه تدهشك من الوهلة الأولى.
إنهم ملوك التصنيف والتحليل والتوجيه، يصل ببراعته إلى حيث لا تتوقع، يفند لك النوايا والمقاصد، ويرسم لك لوحة خطها كما يدعي من وحي خبرته ومعرفته لكل الناس وكيف يفكرون، يعلم الفعل ولم فعل وردة الفعل وهل الحدث حقيقي أم مفتعل؟ عباقرة يا أخي عباقرة! لكن يا عباقرة العصر المتألقين، مالي أراكم تتحدثون وتنقدون بلا أدنى عمل، بالرغم من أن هناك حكمة تقول العبقرية 1% فكرا و99% عملا، أم أنكم فوق هذه الترهات، ما بال أحدكم يحطم صروحا بنيت على أكتاف المجتهدين، تمزقونها متوارين خلف حجة أن هذه الأعمال لها مآرب أخرى؟ فأين مآربك النقية؟
هل علم هؤلاء أن الشخص الوحيد الذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل؟ كما يقال، هو ذلك الماكث في دوامة التبلد والسلبية، المتفلسف، قد عجز عن صنع شيء فبدأ يضرب هذا ويقيّم ذاك. وهناك صنف يضرب العاملين المجتهدين باسم التناصح، وبحجة الحسم والجد يقطع أخاه ويجعله شذرا مذرا بلا هوادة ويختم كلامه بـ «وأنا احترمكم» هل للاحترام معنى لا نعرفه؟
هذا من بقيت فيه بقية من مروءة.
سقطات الكبار عزاء للصغار، وغبار العاملين أزكى من عطور الخاملين، ومن دخل الميدان.
علم أن العيب ليس فيمن اجتهد وعمل بل فيمن جلس وقيم وحلل وابتعد، وكثير من الناس تجد لهم فلسفة وهراء وتنظيرا، يتلاشى في أول قدم يضعها في الميدان، إن وضعها، وعند الناس فلسفة وفكرة.. ولكن أين تلقين الغزالي؟ ولجلجة الأذان بكل حي، ولكن أين صوت من بلال؟
لله در العاملين استأثروا بالأجر كله، عملوا فحازوا أجر البذل والمبادرة، ويأبى العاجز بالرغم من عجزه إلا أن يعطيهم أجرا مضاعفا في ذمة لهم وتشكيكه في نواياهم، فلا هو ممن بادروا ولا هو ممن تركوا النقد وغادروا، بل سلم الحسنات على طبق من ذهب.
يقال إن أحد الصالحين سمع برجل قد ذكره بسوء فذهب إليه وطرق الباب عليه وأهداه طبقا من تمر، فتعجب الرجل متسائلا ولم هذا التمر؟! فرد عليه قائلا: يا رجل تهديني حسناتك ولا أهديك تمرات؟
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم
من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا.
غفر الله لي ولكم وجعلنا أهل فعل لا أهل قول بلا فعل.
humod2020 -
[email protected]@