أُعلنت أسماء الفائزين بجائزتي نوبل في الطب والفيزياء لعام 2026، وكان هناك اهتمام واضح بالدراسات والأبحاث المتعلقة بالضوء وتأثيره، سواءً على دماغ الإنسان في الطب أو على فهم الكون ونشأته في الفيزياء.
ومنح معهد كارولينسكا جائزة نوبل في الطب لثلاثة علماء من ألمانيا والولايات المتحدة لأبحاثهم في علم البصريات الوراثي، وهي المرة الـ41 التي تُمنح فيها الجائزة بشكل مشترك لثلاثة أفراد.
وفاز بالجائزة الألمانيان بيتر هيغيمان ويورغ ناغل، ومن الولايات المتحدة كارل دايسروث، وأعلنت نوبل في حيثيات الفوز أن العلماء توصلوا لاكتشافات حول القنوات الأيونية التي تُفتح بالضوء وتطوير علم البصريات الوراثي أو علم الوراثة الضوئي (Optogenetics)، وهي تقنية تتيح التحكم الدقيق في نشاط الخلايا العصبية باستخدام الضوء.
وبحسب صفحة الجائزة الرسمية على منصة إكس فإن الفائزين توصلوا إلى تقنية بيولوجية تجعل من الممكن تشغيل نشاط خلايا عصبية فردية في دماغ حي أو إيقافه. واعتمدت التقنية على بروتين مستخلص من طحلب أخضر وحيد الخلية يُدعى "الكلاميدوموناس".
وعثر العالمان الألمانيان بيتر هيغمان ويورغ ناغل على هذا البروتين في الطحلب، ولاحظا أنه يعمل كمستشعر للضوء وقناة أيونية في نفس الوقت؛ فحين يُضاء بالضوء الأزرق، تفتح القناة ويحدث تدفق للأيونات يولّد نبضة كهربائية سريعة.
بينما قام الباحث الأمريكي كارل دايسروث بأخذ جين هذا البروتين وإدخاله في الخلايا العصبية (بدأ بالفئران)، وأصبح بإمكانه تشغيل الخلايا العصبية أو إطفائها بدقة فائقة لمجرد تسليط الضوء الأزرق عليها.
ويساعد علم البصريات الوراثي على فهم المزيد عن كيفية تشكيل الخلايا العصبية للذكريات والعواطف والسلوك في الدماغ الحي، وهو ما قد يفتح الباب لعلاج فقدان البصر.
شاشة توضح القنوات الأيونية المُتحكَّم فيها بالضوء وتعرض صوراً للعالمين الألمانيين يورغ ناغل وبيتر هيغمان، وذلك خلال الإعلان عن الفائزين بجائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء
وُلد الألماني يورغ ناغل في عام 1953، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت، ألمانيا، وهو حاليًا أستاذ في فيزيولوجيا النبات الجزيئية في قسم فيزيولوجيا النبات الجزيئية والبيوفيزياء - علم النبات الأول، جامعة فورتسبورغ، ألمانيا.
وكان في إيطاليا عندما تلقى اتصال الفوز، وقال: "لم أتوقع هذا، حقاً... كنت أعتقد أنه لا يزال مبكراً جداً للحصول على هذه الجائزة في الطب".
أما الألماني الآخر بيتر هيغمان، فهو من مواليد 1954، وحصل على درجة الدكتوراه من معهد ماكس بلانك لعلم الكيمياء الحيوية، مارتينسريد، ألمانيا، وهو حالياً أستاذ أول في علم الأعصاب في جامعة هومبولت في برلين، ألمانيا.
وتعثر الاتصال به فتم إرسال بريد إلكتروني له يقول: "اتصل بي، لدي شيء مهم لك"، وعندما اتصل بالرقم، اكتشف أنه حصل على جائزة نوبل لعام 2026 في الطب. وتحدث هيغمان عن متعة مشاركة هذه الجائزة مع الأصدقاء، وقيمة الفضول، والأماكن غير المتوقعة التي يمكن أن يأخذك إليها الاستقصاء، بحسب موقع الجائزة.
أما الطبيب النفسي الأمريكي كارل دايسروث، فقد وُلد في عام 1971، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة والدكتوراه في الطب من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، هو حالياً أستاذ في الهندسة الحيوية وعلم النفس والعلوم السلوكية في معهد هوارد هيوز الطبي وجامعة ستانفورد، الولايات المتحدة.
وعلق على خبر فوزه، قائلاً: "لم أكن قد نمت بعد، كوني أفضل السهر. والآن لا أعتقد أنني سأتمكن من النوم لفترة طويلة!"
تتولى جمعية نوبل في معهد كارولينسكا مسؤولية اختيار الفائزين بجائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء، وتضم جمعية نوبل 50 عضواً. أما لجنة نوبل في المعهد فهي الهيئة التنفيذية التي تراجع الترشيحات وتختار الفائزين، وتتألف من خمسة أعضاء بالإضافة إلى أمين سر كل من لجنة نوبل وجمعية نوبل.
مكعب جليدي في القطب الجنوبي
صورة لمرصد مكعب الجليد الذي أنشأه هالزن في القطب الجنوبي لدراسة حركة الجسيمات وتأثير الضوء عليها
منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء للعالم البلجيكي فرانسيس هالزن، 82 عاماً، لإسهاماته الحاسمة في إنشاء مرصد مكعب جليدي (آيس كيوب) للنيوترينوات واكتشاف النيوترينوات ذات الطاقة العالية من أصل فلكي، التي تنشأ في الكون البعيد.
وهالزن من مواليد مدينة تينين في بلجيكا وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة لوفين الكاثوليكية في بلجيكا، في عام 1969، ولاحقاً أصبح أستاذاً في جامعة ويسكونسن-ماديسون بالولايات المتحدة الأمريكية.
وقال هالزن في مؤتمر صحفي عبر الهاتف، عقب تلقيه اتصالاً من الأكاديمية وإعلان فوزه: "لقد كانت مفاجأة كبيرة، ومن الواضح أنني لم أكن أتوقع ذلك، لكنني شعرت بسعادة غامرة لسماع نبأ الفوز بهذه الجائزة".
ونشرت الصفحة الرسمية لجائزة نوبل على منصة إكس صورة كوميكس لهالزن مع شعار جائزة نوبل، وجاءت تعليقات لتتحدث عن أسباب منحه الجائزة، وهي ابتكار طريقة جديدة تماماً لرؤية الكون، من خلال تحويل جليد القطب الجنوبي إلى ما يشبه مسرع الجسيمات، أي أداة تتيح لنا دراسة الكون من خلال النيوترينوات، وهي جسيمات دون ذرية نادرة ناتجة عن عمليات هائلة الطاقة في الكون البعيد.
صورة أرسلها هالزن لجائزة نوبل فور الإعلان عن فوزه من داخل الفندق في إيطاليا حيث كان يقضي أجازته
وقالت إيفا أولسون، عضو لجنة نوبل للفيزياء، في مقر الأكاديمية في استوكهولم: "تتعلق جائزة نوبل هذه بمكعب جليدي عملاق يقع عند القطب الجنوبي لكوكبنا، إذ يتيح هذا المكعب الجليدي رصد النيوترينوات".
وقدم هالزن رؤيته الأولى لالتقاط النيوترينوات في القطب الجنوبي عام 1988. عندما يصطدم نيوترينو بذرة نواة ذرية، ينتج وميضاً من الضوء يمكن تتبعه بواسطة أجهزة استشعار في الجليد الواضح.
واختار القطب الجنوبي لأن الجليد هناك يتمتع بمزايا عديدة، حيث إنه خالٍ من أنواع مختلفة من التداخلات والمنطقة مستقرة جيولوجياً، دون زلازل أرضية.
ويبدو أن هناك صلة ما بين جائزتي الطب والفيزياء، لأن كلتيهما تدرسان الضوء وتأثيره سواء في الطحالب والخلايا العصبية أو في إنتاج الجسيمات.
من يمنح جوائز نوبل
انطلقت جائزة نوبل لهذا العام يوم الاثنين 5 أكتوبر/تشرين الأول، بالإعلان عن جوائز الطب والفيزياء، وتنتهي بالإعلان عن جائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في 12 أكتوبر/تشرين الأول، والتي يتم الإعلان عنها كل عام تخليداً لذكرى ألفريد نوبل، الذي كوّن ثروته من اختراع الديناميت. وتُعرف باسم "جائزة نوبل في الاقتصاد".
وتشارك مؤسسات مختلفة في منح جوائز نوبل، وهي: الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم وتقدم جائزة الفيزياء والكيمياء، ويقدم بنك السويد جائزة الاقتصاد التي استحدثها عام 1968، بينما يقدم معهد كارولينسكا جائزة الطب، والأكاديمية السويدية جائزة الأدب، ولجنة نوبل النرويجية تمنح جائزة نوبل للسلام.
وتبدأ الترشيحات للجائزة مبكراً خلال فبراير/شباط وسبتمبر/أيلول من كل عام، وتقوم لجان تابعة لكل مؤسسة بتقييم الترشيحات والمرشحين واستشارة الخبراء، ثم تحيل "القائمة المختصرة" إلى المؤسسات المعنية لاتخاذ القرار النهائي.
وتقوم كل مؤسسة بعمل تصويت نهائي بين الخبراء في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، ليتم الإعلان عن الفائزين مباشرة بعد ذلك.
ورغم أن الإعلان عن الفائزين يتم في شهر أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن تسليم الجوائز للفائزين يتم في احتفالية كبرى بمقر الأكاديمية في 10 ديسمبر/كانون الأول من كل عام، وهي ذكرى وفاة ألفريد نوبل، وتقام كل الجوائز في ستوكهولم، بينما احتفالية نوبل للسلام تجري في أوسلو.
ويحصل كل فائز على ميدالية ذهبية وشهادة تُعدّ بمثابة "عمل فني"، كما تُمنح مكافأة مالية مع كل جائزة تبلغ قيمتها هذا العام 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).
50 عاماً من السرية
تتولى لجان تابعة للمؤسسات المانحة للجوائز ترشيح الأسماء، ويقوم علماء مخولين ومعتمدين من لجنة نوبل وحدها باختيار الأسماء المرشحة، ولا يحق لأي شخص ترشيح نفسه، وتظل أسماء المرشحين الرسميين لجائزة نوبل سرية ولا تُعلن من قبل لجنة نوبل إلا بعد مرور 50 عاماً.
ويشمل هذا التقييد المرشحين والجهات التي رشّحتهم، فضلاً عن التحقيقات والآراء المتعلقة بمنح الجائزة، وكذلك أسباب ترشيحهم وأسباب عدم فوزهم بالجائزة.
ويكون هناك أشخاص لهم حق تقديم المرشحين، ومن هؤلاء الأعضاء السويديين والأجانب في المؤسسات التي تمنح الجوائز، فمثلاً يمكن لأعضاء الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، تقديم ترشيحات لجائزة نوبل في الفيزياء.
بالإضافة إلى الحائزين على جائزة نوبل، حيث يمكن لكل من فاز بجائزة نوبل في أي فئة تقديم ترشيحات في الفئة التي فاز فيها، فمثلاً الفائز بنوبل في الكيمياء يمكنه ترشيح أسماء أخرين للفوز بجائزة هذا العام.
وتضم لجان الترشيح أيضاً أساتذة في العلوم في جامعات ومعاهد علمية في السويد والدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج، ومعهد كارولينسكا في ستوكهولم.
بالإضافة إلى علماء آخرين مستقلين تختارهم الأكاديمية من أي مكان في العالم ليقدموا مرشحين.