قام وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس برفقة رئيس جهاز «الموساد» ديفيد برنياع بزيارة رسمية الى واشنطن وصفت بـ «المهمة جدا» لإجراء محادثات استراتيجية معمقة مع كبار المسؤولين الأميركيين في الأمن القومي و«الپنتاغون» والخارجية حول الملف النووي الإيراني، في ضوء مفاوضات فيينا التي تواجه خطر الفشل والتوقف.
الإسرائيليون يرون في تعثر المفاوضات فرصة سانحة لإقناع واشنطن باتخاذ مواقف أكثر حزما وتشددا حيال إيران، إن لجهة تشديد العقوبات المالية عليها، أو لجهة التحرك ضدها وتفعيل الخيار العسكري لجلبها الى طاولة المفاوضات وهي أكثر مرونة واستعدادا لتقديم تنازلات. والهدف الرئيسي لهذه الزيارة إبلاغ الأميركيين رغبة إسرائيل واستعدادها للتنسيق معهم بشأن ما يسمى «الخطة البديلة لمواجهة إيران»، مع التشديد على الاستمرار في العقوبات وزيادتها، وعلى البحث في خيارات بديلة أولها الخيار العسكري. والتداول حول كيفية الإعداد لعمليات عسكرية مشتركة للجيشين الإسرائيلي والأميركي، مع العلم أن سلاح الجو الإسرائيلي سيقوم قريبا بسلسلة تدريبات على تنفيذ هجمات في محاكاة للهجوم على إيران.
وتلح اسرائيل على عدم مغادرة اميركا المنطقة وضرورة إظهار القوة في التعامل مع إيران، وذلك بزيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة وجعله وجودا فاعلا. وذلك لأن طهران لن تتخلى عن برامجها وستظل تحاول الخداع وينبغي أن يظهر العالم يقظة إزاء نشاطاتها وعدم الخضوع لابتزازها. وفي الاتجاه نفسه، بدا لافتا ما ورد على موقع «أكسيوس الأميركي»، من أن إسرائيل أطلعت الولايات المتحدة وعددا من الحلفاء الأوروبيين، خلال الأسبوعين الماضيين، على معلومات استخبارية تشير إلى أن إيران تتخذ خطوات تقنية للتحضير لتخصيب اليورانيوم بنقاء 90%، وهو المستوى المطلوب لإنتاج سلاح نووي. وتأمل تل أبيب أن تكون هذه المعلومات كافية بذاتها لدفع الأميركيين إلى تشديد موقفهم في مواجهة المفاوض الإيراني، ومن أبرز وجوهه التلويح بالخيارات العسكرية. ولعل التطور الأحدث الذي أسهم في مفاقمة القلق الإسرائيلي، هو أن إيران عادت الى مفاوضات فيينا بعدما شغلت أجهزة الطرد المركزي المتطورة في «منشأة فوردو»، حيث يجري تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وهو ما رأى فيه رئيس الوزراء نفتالي بينت خطوة في غاية الخطورة. وعلى هذه الخلفية، أتى تواصله مع وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في محادثة طويلة وصعبة، وقراره إرسال وزير الدفاع ورئيس «الموساد» إلى واشنطن، ليقدم برنياع الى الأميركيين، حسب القناة 12 الإسرائيلية، معلومات جديدة من شأنها التأثير على المفاوضات، محورها أنه بات لدى إيران ما يكفي من اليورانيوم المخصب (لإنتاج السلاح النووي)، وأنه ينبغي التركيز على مجالين إضافيين: تطوير جهاز التفجير النووي الذي يمثل العنصر المركزي في عملية إنتاج القنبلة، وكذلك تطوير الصواريخ الباليستية.
إضافة الى «الهاجس النووي»، تتحرك إسرائيل من خلفية تقديرها السياسي المتشائم لمسار المفاوضات.. وهذا التقدير يتضمن النقاط التالية:
- أي اتفاق نووي جديد بين الدول الكبرى وإيران، ينبغي أن يكون أفضل من سابقه ويتضمن عناصر أخرى مثل تقييد تطوير الصواريخ الباليستية، ووقف مشروع الهيمنة الإقليمية، والكف عن نشر ميليشيات مسلحة في دول المنطقة، وعن تزويد هذه الميليشيات بأسلحة متطورة مثل الطائرات الانتحارية المسيرة ووقف النشاط الإرهابي في دول المنطقة والعالم.
- القلق لا يتأتى فقط من إمكانية رفع العقوبات عن إيران وضخ مليارات الدولارات إليها مقابل فرض قيود غير كافية على برنامجها النووي، وإنما يتعلق أيضا بما يمكن أن يعقب فشل المحادثات من خطوات نووية إيرانية إضافية. وما يعقد المشكلة أنه حتى لو عادت طهران إلى اتفاق عام 2015، فإنها لن تكون على مسافة سنة من القدرة على إنتاج قنبلة نووية، وفقا لمقتضيات الاتفاق، وإنما ستكون على مسافة شهرين. ويعود ذلك، بحسب الخبراء الإسرائيليين، إلى التطور الذي أحرزته في تطوير أجهزة الطرد المركزي، والخبرات التي اكتسبتها خلال السنتين الأخيرتين بعد انسحاب الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق، وهو ما وضع الجميع أمام وقائع جديدة لم يعد بالإمكان العودة عنها. وهذا القلق العميق دفع بينت إلى وصف المرحلة التي تمر بها إسرائيل، خلال مؤتمر لـ «معهد هرتسيليا» بـ «المعقدة» و«الأكثر جوهرية في الصراع المتواصل ضد إيران»، لاسيما أن ما كانت تتخوف منه تل أبيب، وتسعى للحؤول دون تحققه، بات الآن أمرا واقعا.
ولا تخفي إسرائيل قلقها العميق مما ستؤول إليه مفاوضات فيينا. مرد ذلك إدراكها أنه أيا كانت السيناريوهات المقبلة، فهي ستواجه مأزقا حقيقيا. فلا إيران التي وقعت الاتفاق النووي عام 2015، هي نفسها الآن، سواء نوويا أو صاروخيا أو إقليميا، ولا معادلات القوة التي تطورت منذ ذلك الحين توفر لإسرائيل أو للولايات المتحدة هامشا عملياتيا لإعادة قلب المشهد، خصوصا في ظل إدراك مؤسسات التقدير والقرار فيها أن الأمور على المستويات كافة لا تسير لصالحها، بدءا من تطور برنامج إيران النووي، مرورا بتحول أولوية الإدارة الأميركية نحو منطقة المحيطين الهادئ والهندي، وصولا إلى التحولات النوعية التي استجدت في معادلات القوة الإقليمية.