عبر الحاجب المنصور بجيشه مضيقا في الشمال بين جبلين لفتح بلاد الاعداء، فنصب له اعداؤه كمينا كبيرا وتركوه حتى دخل بكل جيشه، ثم قطعوا عليه طريق العودة.
فلما رجع الحاجب المنصور ووجد المضيق مغلقا بالجنود عاد مرة اخرى الى الشمال ودخل مدينة من مدن الاعداء وأخرج أهلها وعسكر فيها، ووزع ديارهم على جنده، وتحصن فيها وعاش فيها فترة واتخذها مركزا له، وأخذ يرسل منها السرايا الى أطراف ممالك الاعداء ويأخذ الغنائم، ويقتل المقاتلين من الرجال، ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتله الاعداء ومنعوه من العودة منه فضج الاعداء وذهبوا الى قوادهم وقالوا: لا نجد لنا حلا في هذا الرجل إلا أن تفتحوا له الباب حتى يعود الى بلاده مرة ثانية، فعرضوا عليه أن يخلوا بينه وبين طريق العودة فرفض، وقال لهم: سأمكث فيها ستة أشهر وأقوم بالصوائف والشواتي من مركزي في هذه البلاد.
فقالوا: ارجع إلى بلدك ولك ما تريد، فاشترط عليهم شروطا وهي ما يلي: الشرط الأول: أن يفتحوا المضيق ولا يبقوا فيه عدواً واحدا. الشرط الثاني: أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها في المضيق. والشرط الثالث: أن تحملوا الغنائم من بلاد ليون في الشمال إلى قرطبة في الجنوب.
وكان من عادته أن ينفض ثيابه بعد كل موقعة أو غزوة ويرفع ما خرج منها من غبار ويضعه في قارورة ويجمعه معه، ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن هذه القارورة معه حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد الاعداء، متشبثا في ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم».