- تفضيل بعـض الأبناء على الآخـر يوغر الصدور ويؤجج مشاعـر الحسد
- أمر الله عزّ وجلّ بوجوب أن يرحـم الأبناء آباءهم ويبروهم ويحسنوا إليهم
- ادعوا لأولادكم بالخيـر والتوفيق والنجـاح واحذروا مـن الدعاء عليهم
أكدت الأستاذة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية د.مستورة رجا حجيلان المطيري أن من أسس توطيد الصلات الأسرية ان تكون هناك رحمة متبادلة بين الأبناء والآباء والعكس من ذلك، وذلك لما تحدث تلك الرحمة من زيادة الألفة والمودة والتفاعل الإيجابي بين الطرفين. وأشارت المطيري إلى أن للرحمة صورتين، الأولى: رحمة الأبناء بالآباء والثانية رحمة الآباء بالأبناء، وشرحت كلتا الصورتين بالتفصيل، وإلى نص الحوار:
ما أسس توطيد العلاقة بين الآباء والأبناء والعكس؟
٭ من أسس توطيد الصلات الأسرية أن تكون هناك رحمة متبادلة بين الأبناء والآباء والعكس من ذلك، وذلك لما تحدثه تلك الرحمة من زيادة الألفة والمودة والتفاعل الإيجابي بين الطرفين ويكون ذلك على صورتين: رحمة الأبناء للآباء ورحمة الآباء بالأبناء.
كيف تتحقق رحمة الأبناء بالآباء؟
٭ أمر الله عزّ وجلّ بوجوب أن يرحم الأبناء آباءهم وأجدادهم ويبروهم ويحسنوا إليهم، وعد عقوق الوالدين من الكبائر، فقال عزّ من قائل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) وفي معرض تفسير السعدي لقوله تعالى: (وبالوالدين إحسانا) أي أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي لأنهما سبب وجود العبد، ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر.
كما قال ايضا في تفسيره لقوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) أي: تواضع لهما، ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر لا أجل الخوف منهما أو الرجاء لمالهما ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم «أي العمل أحب إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله» والمراد ببر الوالدين أي الإحسان إلى الوالدين والرفق بهما والترحم عليهما والنزول عند رغباتهما ما لم يكن إثما، وعدم إيذائهما لا بالقول ولا بالفعل، فالبر اسم جامع لكل ابواب الخير، ولقد حقق هذه الصفة الحميدة (الرحمة) الصحابي الجليل أبوهريرة رضي الله عنه مع أمه، فعن أبي برة مولى عقيل ان أبا هريرة كان يستخلفه مروان وكان يكون بذي الحليفة، فكانت امه في بيت وهو في آخر، قال: فإذا اراد ان يخرج وقف على بابها فقال: السلام عليك أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرا، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرا، ثم إذا اراد ان يدخل صنع مثله».
هل تحدثينا عن الصور الأخرى من الرحمة؟
٭ هي رحمة الآباء بالأبناء، وهي لا تقل أهمية عن رحمة الأبناء بالآباء إذ إنها تزيد من أواصر المحبة والألفة والتعاون، وهذا بدوره يقوي الصلات الأسرية ويحقق المنفعة المرجوة منها، إذ قد تتأثر تلك الصلات وتضعف بسبب التنافر الذي قد يحصل بين الآباء وأبنائهم من سوء معاملة والديهم لهم، وقد روى ان النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الآباء الذين يعينون أبناءهم على برهم فقال: «رحم الله والدا أعان ولده على بره».
ما مظاهر رحمة الآباء بالأبناء؟
٭ الدعاء للأولاد، فمن مقتضيات رحمة الأب بأبنائه ان يدعو لهم بالخير والتوفيق والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة بل ويشعرهم بذلك حتى تتحقق عندهم الثقة بالنفس والشعور بالرضا، وهذا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبنائه، فعن اسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما، ولا يكفي الدعاء للأولاد على وجود الرحمة، بل يجب الكف والحذر من الدعاء عليهم حتى لا يتسبب ذلك في شقائهم وشقاء من يعيش معهم، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: لا تدعوا على انفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أحوالكم، وإلا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم.
وما مظاهر وجود الرحمة مع الأبناء؟
٭ تقبيل الأبناء والبشاشة في وجوههم والشفقة عليهم يدل على وجود الرحمة في صدور الآباء تجاه أبنائهم، لذلك عاب الرسول صلى الله عليه وسلم على الأقرع بن حابس والأعرابي عدم رحمتهما بأبنائهما. فقد روى أبوهريرة رضي الله عنه قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم».
قال ابن حجر: «وفي جواب النبي صلى الله عليه وسلم للأقرع إشارة إلى تقبيل الولد وغيره من الأهل المحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة لا للذة والشهوة وكذا الضم والشم والمعانقة» وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة» وعنها ايضا قالت: ما رأيت أحدا كان اشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة رضي الله عنها، كانت اذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه واخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها.
بعض الآباء لا يعدلون بين أبنائهم فما تعليقكم؟
٭ ايضا من مظاهر رحمة الآباء بالأبناء هو الحرص على العدل بينهم وعدم تفضيل أحدهم على الآخر لأن ذلك يوغر الصدور، ويؤجج مشاعر الحسد والتغيظ في النفوس فيحملهم على التقاطع والتدابر، لذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم بشيراً ان يختص ابنه بالهبة من دون بقية ابنائه، عن حصين بن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: أعطاني ابي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني ان اشهدك يا رسول الله، قال: اعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». قال: فرجع فرد عطيته.
والتسوية بين الأولاد في العطية واجبة كما قال بذلك بعض الفقهاء وذلك لأنها تحقق مفهوم البر والصلة وتمنع قطع الأرحام وعقوق الوالدين، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: نحلني أبي نحلا ثم أتى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهده فقال: «أكل ولدك أعطيته هذا؟ قال: لا، قال: أليس تريد منهم البر مثل ما تريد من ذا؟ قال: بلى: قال فإني لا أشهد».
قال ابن حجر: «ومن حجة من أوجبه - اي أوجب التسوية في العطية بين الأولاد، انه مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما».
ولقد شجع الإسلام على المساواة العادلة وحث عليه فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها قال يعني الذكور، أدخله الله الجنة».
بر الأبناء من الصور الأخرى للرحمة.. فكيف ذلك والله سبحانه أمر بأن يبر الأبناء الوالدين؟
٭ شجع الإسلام على المساواة العادلة بين الأولاد فحث على التسوية بين الذكور والإناث في المعاملة والإحسان والعدل. عن النعمان بن بشير ان اباه اتى به رسول الله فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله: فأرجعه، والأم كذلك يجب عليها التسوية بين اولادها لعموم قوله اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فإذا أعطى الرجل في حال الحياة لأولاده فيجب ان يسوي بينهم، فالعدل بين الأبناء مطلب ضروري يتحقق به البر والمحبة.