- من ملكية تصل إلى 100% وإعفاءات وحوافز إلى إقامة تمتد 15 عاماً
علي إبراهيم
صباح كل يوم أحد، يطالع الكويتيون في الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» قرارات جديدة بتأسيس واعتماد شركات أجنبية عبر هيئة تشجيع الاستثمار المباشر، أسماء قادمة من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، وفروع لكيانات عالمية معروفة تختار السوق الكويتي مقرا لنشاطها أو محطة للتوسع في المنطقة.
قد تبدو هذه القرارات في ظاهرها إجراءات قانونية تنشر ضمن سلسلة طويلة من القرارات الرسمية، لكنها في جوهرها تحكي قصة اقتصادية أوسع تشكلت خلال سنوات، سوق تفتح أبوابها لرأس المال الأجنبي، وتشريعات تسهل الدخول، وحوافز تشجع على البقاء، وبيئة تحاول أن تحول وجود الشركة العالمية من ترخيص جديد إلى استثمار طويل الأجل داخل الاقتصاد.
ومع دخول أسماء جديدة إلى السوق، لا يعود السؤال فقط: من الشركة التي وصلت؟ بل يصبح الأهم: ما الذي جعلها تختار الكويت من بين أسواق المنطقة؟
في سباق عالمي لا تهدأ وتيرته على جذب رؤوس الأموال، لم يعد المستثمر يطارد الفرصة وحدها، بل يبحث عن الدولة القادرة على تحويل الفرصة إلى بيئة كاملة: قانون واضح، وإجراءات أسرع، وحوافز قابلة للقياس، واستقرار طويل الأجل، وقدرة على التوسع من دون أن تتحول كل خطوة إلى عائق جديد.
ومن هذا المنطلق، أعادت الكويت خلال العقد الماضي بناء معادلة الاستثمار الأجنبي لديها بهدوء لكن بثبات، فلم تعد المسألة مجرد فتح باب أمام شركة دولية أو منح ترخيص لمشروع جديد، بل تأسيس سوق أكثر قدرة على استيعاب رأس المال العالمي وإقناعه بأن الكويت ليست محطة عابرة، وإنما قاعدة يمكن أن يبدأ منها النشاط ثم يتوسع داخلها.
بدأت الرحلة من التشريع، ثم امتدت إلى الحوافز وتسهيل الإجراءات وحرية تحويل الأرباح، وصولا إلى إقامة طويلة الأجل تمنح المستثمر وإدارته مساحة أوسع للتخطيط، ومع كل خطوة، أصبحت الرسالة أكثر وضوحا: الدخول إلى السوق مهم، لكن الأهم أن يجد المستثمر ما يكفي من الثقة ليبقى ويوسع أعماله ويعيد ضخ أمواله داخل الاقتصاد.
القانون يفتح الباب
شكل قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 لسنة 2013 نقطة انطلاق أساسية لهذا المسار، إذ أتاح للمستثمر الأجنبي ملكية قد تصل إلى 100% وفق الضوابط المقررة، وسمح بترخيص فروع الشركات الأجنبية وتأسيس مكاتب تمثيل، إلى جانب النافذة الموحدة التي استهدفت تسهيل الإجراءات وتسريع دورة الترخيص.
وتجاوزت فلسفة القانون مجرد السماح بدخول المستثمر إلى السوق، إلى محاولة جعل قراره أكثر وضوحا وقابلية للتخطيط. فالشركة التي تدرس التوسع في بلد جديد لا تنظر فقط إلى حجم الفرصة، وإنما إلى الوقت الذي تحتاجه لإنجاز معاملاتها، ووضوح الإجراءات، واستقرار البيئة التنظيمية، وما إذا كانت قادرة على بناء نشاط يمتد لسنوات.
ومن هنا جاءت الحوافز التي شملت إعفاءات ضريبية قد تصل إلى 10 سنوات للمشروعات المؤهلة، وإعفاءات جمركية على المعدات والآلات ومدخلات الاستثمار، إلى جانب حرية تحويل الأرباح ورأس المال ضمن الأطر القانونية.
وهكذا بدأت البيئة الاستثمارية تتشكل كمنظومة مترابطة، لا كحافز منفرد أو قرار مؤقت.
السوق تكبر والقاعدة تتسع
بعد أكثر من عقد على بدء هذا المسار، تكشف بيانات هيئة تشجيع الاستثمار المباشر أن إجمالي الاستثمارات المباشرة الموافق عليها تراكميا بلغ 1.972 مليار دينار حتى نهاية مارس 2025، موزعة على 105 كيانات استثمارية من 34 دولة تعمل في 16 قطاعا حيويا.
وفي السنة المالية 2024/2025 وحدها، بلغت الاستثمارات المباشرة الجديدة 222.85 مليون دينار، بما يعكس استمرار دخول كيانات جديدة إلى السوق وعدم توقف مسار الجذب عند موجة استثمارية واحدة.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عندما تقرأ إلى جانب التنوع القطاعي، فالأموال الأجنبية لم تتجه إلى نشاط بعينه، بل امتدت إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنفط والغاز والبنية التحتية والطاقة والصحة والتأمين والطيران والزراعة والبيئة.
وهذا التنوع يغير طبيعة الصورة، فالاستثمار الأجنبي في الكويت لم يعد مرتبطا بقطاع تقليدي واحد، وإنما أصبح يتحرك عبر قطاعات مختلفة، بعضها يرتبط مباشرة بالاقتصاد الجديد والتحول الرقمي والخدمات المتقدمة.
رأس المال يدخل.. والخبرة تبقى
لكن السؤال الأهم ليس فقط: كم دخل من الأموال؟ بل: ماذا أضافت هذه الأموال بعد دخولها إلى الاقتصاد؟
فهنا تبدأ القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي. شركة تفتح مقرا، وتشتري خدمات، وتتعامل مع موردين، وتوقع عقودا، وتدرب موظفين، وتنقل خبرة أو تقنية، وتخلق طلبا على أنشطة أخرى تدور حولها.
وتتقدم العمالة الوطنية إلى قلب هذه المعادلة، فكل شركة عالمية تدخل السوق تحمل معها أنظمة تشغيل وخبرات إدارية وتقنيات وأساليب عمل يمكن أن تنتقل إلى الكوادر الكويتية من خلال التوظيف والتدريب والتأهيل والعمل اليومي داخل بيئات مهنية عالمية.
ومن هنا يصبح الاستثمار الأجنبي أداة مزدوجة الأثر: رأس مال يتحرك داخل الاقتصاد، وخبرة تتراكم داخل سوق العمل الوطني.
ولهذا طورت هيئة تشجيع الاستثمار المباشر «نموذج الكويت لقياس المنفعة الاقتصادية» لرصد الأثر الذي تتركه الكيانات المرخصة داخل السوق المحلي، وبحسب النموذج، بلغ إجمالي الإنفاق المحلي للكيانات المرخصة 1.087 مليار دينار، بارتفاع نسبته 17.6%، ما يعكس انتقال جزء من قيمة الاستثمار إلى الدورة الاقتصادية المحلية من خلال الرواتب والمشتريات والعقود والخدمات والتدريب.
وفي 2026 أضيف عنصر جديد إلى المنظومة مع إقرار إطار يسمح بإقامة تصل إلى 15 عاما للمستثمرين المؤهلين والشركاء وكبار التنفيذيين وأفراد أسرهم المباشرين، وفق الضوابط المحددة.
وقد يبدو القرار إداريا في ظاهره، لكنه يحمل بعدا اقتصاديا مباشرا، فالشركة التي تخطط للبقاء سنوات تحتاج إلى إدارة مستقرة، والإدارة التي تنتقل إلى بلد جديد تنظر إلى الإقامة والحياة الأسرية والاستقرار بقدر ما تنظر إلى المكتب والعقد والميزانية.
وهنا تتغير فلسفة الجذب نفسها: ليس المطلوب فقط أن يأتي المستثمر، بل أن يخطط لسنوات، وأن يرى في الكويت قاعدة يمكن أن يوسع منها نشاطه، لا محطة مؤقتة يمر بها.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد الدخول
وبعد مرور عقد من تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية يصبح التحدي أقل ارتباطا بعدد التراخيص، وأكثر ارتباطا بجودة الاستثمار واستمراره وقدرته على التوسع، فالاقتصاد يستفيد أكثر عندما تتحول الشركة من مكتب محدود إلى نشاط أكبر، ومن عقد واحد إلى عمليات أوسع، ومن إنفاق أولي إلى شبكة مستمرة من الموردين والوظائف والخدمات، ويزداد الأثر عندما يقترن هذا التوسع بتوظيف مزيد من الكويتيين، وتدريبهم على تقنيات وأساليب عمل جديدة، ورفع قدرتهم على الانتقال إلى وظائف أعلى قيمة وأكثر تخصصا.
ولهذا تصبح الثقة طويلة الأجل هي العملة الأهم في العلاقة مع المستثمر، لأن رأس المال يستطيع الدخول بسرعة، لكنه لا يبقى إلا عندما يرى فرصة يمكن تطويرها وبيئة يمكن البناء عليها.
«شاهين».. إنجاز يختصر حجم الفرصة
وفي 2026، جاء مشروع «شاهين» ليضيف إنجازا كبيرا إلى هذا المسار، ويقدم نموذجا لحجم رؤوس الأموال التي يمكن للكويت استقطابها عندما تلتقي الفرصة المناسبة مع البيئة الاستثمارية القادرة على استيعابها. فالاتفاقية البالغة قيمتها 16 مليار دولار مع تحالف من كبار المستثمرين العالميين تمثل محطة بارزة في مسيرة الاستثمار الأجنبي المباشر، ووصفت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الكويت.
«الترخيص».. خطوتك الأولى
الحصول على الموافقة ليس سوى الخطوة الأولى، فالحكم الحقيقي على جاذبية السوق يبدأ بعد دخول الشركة: سرعة إنجاز الأعمال، وسهولة التعامل مع الموردين، واستقرار الإدارة، ووضوح الإجراءات، والقدرة على التوسع.
ولهذا لا يقرأ المستثمر الجديد التشريعات وحدها، بل يراقب الشركات التي سبقته: هل وسعت نشاطها؟ هل زادت إنفاقها؟ هل استمرت إدارتها؟ وهل وجدت فرصا جديدة بعد دخولها؟
فالسمعة الاستثمارية للدولة لا تبنى فقط عند بوابة الترخيص، بل في التجربة اليومية التي يعيشها المستثمر بعد أن يصبح جزءا من السوق.
التوسع أهم من الوصول
دخول شركة أجنبية جديدة يمثل بداية القصة وليس نهايتها، فالقيمة الأكبر تتحقق عندما يتحول الكيان الجديد إلى نشاط يتوسع عاما بعد عام، ويزيد مشترياته من السوق المحلي، ويضيف وظائف وخدمات وعقودا جديدة، وكلما تشابكت الشركة مع الاقتصاد المحلي، أصبحت استفادته منها أكبر، من البنوك والخدمات اللوجستية والتقنية إلى الموردين والاستشارات والصيانة وغيرها من الأنشطة، ولهذا فإن نجاح سياسة جذب الاستثمار لا يقاس فقط بعدد الشركات الوافدة، بل بقدرتها على الاستقرار والتوسع والتحول من مستثمر أجنبي إلى شريك فعلي في الدورة الاقتصادية الكويتية.